تقارير

مفاتيح وذكريات معلقة بانتظار عودة ضائعة

في مخيم واشو كاني لا تزال مفاتيح المنازل المهدمة في سري كانية معلّقة على أبواب الخيام، شاهدة على مدينة مسلوبة وذكريات لم تُمحَ. النساء هناك تروي قصص القصف والتهجير لأحفاد لم يعرفوا مدنهم، يعيشون في ظروف المخيم القاسية. ورغم الألم، يبقى الأمل بالعودة وزراعة الأرض والاحتفال في منازلهم حياً في قلوبهم مفاتيح معلقة على أبواب الخيام تنتظر أبواب العودة لتفتح من جديد أقفال التهجير ومنازل لم يبقَ منها سوى الجدران التي تكظ بالذكريات، ورائحة مدينة سلبت عنوةً فمع مرور ست سنوات لم ينسَ القاطنون شوارعهم وحاراتهم ومنازلهم وذكرياتهم وأرضهم، ولم تنسَ الجدران أصحابها، فالحارات مهما مر عليها أناس مختلفون لن تألف إلا ملاكها مهما مر من السنين..

قصص التهجير والمعاناة تناقلوها وروها في كل جلساتهم، حتى حفظتها حبال الخيام، بل أصبحت ترويها لكل زائر حل رحاله في المخيم، نساء شهدت ما جرى في سري كانية منذ سنوات إلا أن الصورة كانت لا تزال تدق داخل عقولهم، هنا يهوي صاروخ وهناك تسقط قذيفة أشلاء تتناثر في المكان، أجساد كانت هنا واختفت، أرض يعبق ترابها برائحة الدماء، وأحداث لم تختفِ من أذهان الأمهات، بل بقيت راسخة بعد مرور أعوام على الاحتلال، وكأنها نقشت على أرواحهم الكهلة فأصبحت أجسادهم وعقولهم شاهدة على جرائم غض العالم الطرف عنها.

فخلال زيارتنا مخيم واشو كاني شاهدنا مشهداً مألوفاً لجمع من النسوة يتناقلن الأحاديث أمام أحد الخيام، فاستوقفتنا تلك الكلمات التي علقت في حناجرهن، والعيون التي روت المشهد قبل أن نصل إليهن فقط استقبلننا بالسؤال: “متى نعود إلى الديار أما حان الوقت بعد؟”.

وقد حدثننا بنبرة تحمل اليأس: “لم يبقَ من العمر شيء، ولكن لو ليوم واحد فقط نريد العودة”، هذا وبينت المواطنة الخمسينية “سعدية سليمان” من منطقة الرشدية القاسمية في سري كانية في مستهل حديثها، أنها لم يعد لها بيت، ولكنها مازالت تحتفظ بالمفتاح معلقاً على باب خيمتها: “قصف منزلنا بطائرات الاحتلال التركي فلم يبقَ منه سوى أنقاض، ولكني أريد العودة إليه فهو بيتي الذي بنيته بيدي، وعشت فيه ذكرياتي مع أولادي الذين فرقهم الزمن، فلم يبقَ لي سواه”.

وبقي ذلك المفتاح معلقاً، لم يعد له باب ليفتحه، ولكنه كان شاهداً أن أناساً قد سكنوا منزلاً في سري كانية، ووطناً سلب ومازال الأمل يتجسد على هيئة مفتاح معلق في خيط تالف أمام باب خيمة.

وترى سعدية أن ما تعيشه بالمخيم جحيم لا يطاق: “في الصيف نعاني حر الشمس، ولكننا نفرح بقدومه أكثر من الشتاء ففي الصيف يوجد مكان ننام أمام الخيمة وداخلها أما في الشتاء فخيمتنا لا تسعنا نحن 12 شخصاً. تربينا على العز والكرامة، وقد أهانتها حياة المخيمات”.

لم يخفت الأمل

فأكملت عنها “صبحية عليوي“، وهي تهز حفيدها لينام بين يديها: “لم يرَ أحفادنا مدنهم، يسألوننا لماذا نحن فقط نعيش في الخيام وغيرنا لا، يفرحون بلعبة صنعوها بأنفسهم، ويركضون خلف دولاب دراجة هوائية تالف كأحلامنا التي بقيت قصصاً لم يكتب أن تحقق”.

لا تعرف صبحية ما جرى لمنزلها منذ أن دخلت المخيم، ولكنها تحدثت بحنين عن موقد والدتها الذي تركت خلفها وتنورها الصغير: “لم نأخذ شيئاً، ولكن أكثر ما آلمني هي أغراض أمي التي تركتها لي قبل أن تتوفى”، وتحمد الله على أنهم خرجوا سالمين، ويمكن تعويض كل شيء آخر.

وبقيت يدها تربت على حفيدها، وهي تواسي جاراتها وتبث بهن الأمل أن العودة حق لا مفر منه مهما طال الزمن، وتقول بابتسامة: “لن أموت قبل أن أزوج أحفادي في منزلي في سري كانيه، وأريد أن أزرع أرضي بالمحاصيل المتنوعة”.

دعاء يوسف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى