تقارير

تسريبات الاتفاق الأمني مع إسرائيل.. أسئلة وهواجس حول التنازلات السورية المحتملة

 

محمد سليمان

يثير الحديث عن اتفاقية أمنية مرتقبة بين الحكومة الانتقالية في سوريا والعدو الإسرائيلي جدلًا واسعًا، خصوصًا مع ما تحمله من بنود تتعلق بإقامة مناطق عازلة، نزع السلاح الثقيل من الجنوب السوري، وفرض حظر جوي على السويداء. ورغم أن السلطات الجديدة تسوّق الاتفاقية كضرورة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، إلا أن ناشطين سوريين يرون فيها تهديدًا خطيرًا لمستقبل البلاد وتكريسًا لأمن الاحتلال على حساب السيادة الوطنية.

يرى الصحفي والناشط جعفر مشهدية أن “أي اتفاقية مع الاحتلال مرفوضة بشكل كامل، خصوصًا وأنها تأتي في ظرف لا يمكن لسوريا فرض أي شروط تضمن لها حقوقها ومصالحها. أي اتفاق مع العدو يجب أن يكون وفق أدبيات وطنية خالصة تحفظ حقوق السوريين وتضحياتهم منذ 1948 حتى اليوم، مع التأكيد أن أي اتفاق لن يتجاوز حدود الحبر الذي كتب به فالشعب السوري يعرف عدوه منذ عقود ويشاهد ما قام به في سوريا والإقليم وتحديدًا في غزة الجريحة ويعلم أن الكيان لا أمان له ولا أمان بجانبه وإن كانت البلاد حاليًا لا يمكنها المجابهة فالأجدر ألا تسعى لأي اتفاق ظاهر على شكل استسلام كما أن غياب القدرة الحالية على المجابهة لا يعني انعدامها مستقبلًا، والأهم أن الشعب السوري لن يقبل التطبيع فيمكن لأي حكومة فرض اتفاقات سياسية لكنها لن تتجاوز ذلك.. الصهيوني مرفوض جملةً وتفصيلًا شعبيًا”.

وأضاف مشهدية: “أما فيما يخص الحديث عن الاتفاق الأمني الحالي فهو مازال ضمن إطار التسريبات من حيث التفاصيل فالسلطات الجديدة تقول أنها تتفاوض وفق مبدأ 1974 ولن تتنازل عن هذا الاتفاق وتطالب بالعودة إليه. أما الكيان وفق ما يتم تسريبه يرفض الاعتراف بهذا الاتفاق ويعتبره ساقطًا مع سقوط نظام الأسد، واليوم يجري الحديث عن خريطة أميركية توضح تفاصيل الاتفاق جغرافيًا وتكشف أن جبل الشيخ كاملًا سيكون مع الاحتلال وأن مساحة المنطقة العازلة ستكون أكبر من الجهة السورية دون أي توسع من جهة الاحتلال، إضافة لتقسيمات جغرافية حتى حدود دمشق قائمة على مناطق حظر طيران وحظر سلاح مع كوريدور جوي للاحتلال يحافظ خلاله على حرية الحركة وهذا كله ينسف اتفاقية 1974 التي يُظهر النظام السوري الجديد إعلاميًا أنه لن يتنازل عن تنفيذ بنودها، وهنا بما أن المسؤولين السوريين لم يعلقوا على التسريبات علينا انتظار توقيع الاتفاقية لمعرفة من تنازل ومن توسع”.

وتابع الصحفي والناشط السوري: “الاتفاق ضمن أي صيغة فيه انكسار لسوريا قبل أي سلطة فهو يفرض فرضًا والحل الوحيد الواجب على السلطات الجديدة اتخاذه اليوم هو توحيد الجبهة الداخلية مع ما تعانيه من انقسامات حادة تتحمل السلطات مسؤوليتها بالمقام الأول. وإن لم تلجأ السلطات للداخل وتجعل خيار التنازل للداخل أهم من التفاوض مع الخارج ستكون النهاية كارثية على البلاد فالاحتلال أوضح بشكل جلي مطامعه بسوريا ورفضه للسلطات فيها”.

بدوره الناشط السياسي حسين الشبلي يقول: “لست ممن يرفضون الاتفاق مع العدو الإسرائيلي لاعتقادي بحتمية الصراع ولا لأني أرى في المقاومة اللغةَ الوحيدة التي يفهمها العدو الإسرائيلي. طبعًا أعي تمامًا الاختلال الكبير في توازن القوى بين سوريا والعدو الإسرائيلي لكنني بالمقابل أرفض من يقدم هذا الاتفاق كضرورة دون أن يكون واضحًا، ودون أن يقول لنا ضرورة لمن تحديدًا؟. إن كنا نتحدث بأنه ضروري لسوريا فينبغي أن أوضح أن عدم خوض حرب اليوم مع العدو هو أمر طبيعي لكن الذهاب إلى توقيع اتفاق أمني موسع يمنح العدو الإسرائيلي ميزات أكبر من الميزات التي امتلكها في اتفاق 74 هو أمر يُرد عليه، فالحقيقة أن منح إسرائيل ميزات أمنية إضافية في تقسيم الجنوب السوري، حتى دمشق، إلى مناطق إحداها عازلة من الممكن أن تشغلها قوات دولية وأخرى منزوعة من السلاح الثقيل بشكل كامل وثالثة تتضمن السويداء تخضع لحظر جوي.. هو أمر خطير،  فالاتفاق وإن كان باعتقاد البعض يضع حدًا للاعتداءات الإسرائيلية ويسمح للحكم الحالي في دمشق بتثبيت أركانه، لكنه في المقابل يضع مستقبل سوريا في خطر، بدايةً لأنه يُغفل أن المشكلة ليست في شكل العلاقة القائمة بين سوريا والعدو الإسرائيلي، المشكله أصلًا في العدو الإسرائيلي نفسه. نحن نتحدث عن دولة توسعية قائمة على أيديولوجيا تجاهر صراحة بأن بلادنا ليست سوى جغرافيا تعود ملكيتها بالأصل لهم، بالتالي لسنا أكثر من متطفلين على هذه الأرض، ومن هنا كل تنازل نقدمه قد يُسهم بالمستقبل بتمكينها من تحقيق دعواها التوسعية على حسابنا”.

وأضاف الشبلي: “لذلك أرى من الأجدى أن نأخذ ما جرى في مصر بعد توقيعها اتفاقية كامب ديفيد بالحسبان حيث اعتقدت الدولة المصرية أنها بعد اتفاقها ستتفرغ لشؤونها الداخلية وتركز على البناء والتطوير لكن الربط بين الأمرين ليس دقيقًا أصلًا فلم يقدم الاتفاق لمصر أي ميزة حقيقية سوى أنه حرمها من حماية حدودها وأمنها الإقليمي فنشطت في صحراء سيناء مجموعات من البدو الخارجين عن القانون وانتهى الحال فيها إلى ظهور تنظيم داعش واضطرار مصر للحصول على إذن من اسرائيل لتعالج المسألة”.

وتابع: “بالتالي لا يمكننا النظر الى أي اتفاق أمني يفرغ الجنوب السوري من أي قوة عسكرية بوصفه ضرورة سورية بقدر كونه ضرورة لأمن إسرائيل، بالتالي علينا أن نسأل من يروج لضرورة الاتفاق أن يشرح لنا مصلحة سوريا منه وأن يقدم لنا الضمانات التي قد تضمن للسوريين في المستقبل ألا تستغل إسرائيل خلو الجنوب السوري من أي دفاعات عسكرية لكي تتوسع على حسابها فنصبح بذلك أشبه بالضفة الغربية فتعاملنا إسرائيل كجغرافيا تديرها أمنيًا، وتُعتبر مصالح اسرائيل أسمى من مصالح سوريا ومقدمة عليها”.

واختتم حسين الشبلي قائلًا: “صدقوني لو كان في هكذا اتفاق أي مصلحة لسوريا فإن نتنياهو لن يوقعه، فقد أرانا اليمين الإسرائيلي سابقًا موقفه من أي اتفاق جدي مع سوريا عندما اغتالوا رابين لنيته إعادة الجولان. باختصار العرب منذ احتلال فلسطين يتنازلون بحجة البراغماتية أما إسرائيل فتزداد تصلبًا، فأي فائدة قد نجنيها من تنازل جديد؟”.

ما بين رفض التنازلات التي تمنح إسرائيل ميزات أمنية إضافية، والتحذير من أي اتفاق يُفرض على سوريا دون ضمانات وطنية، تظهر هذه الاتفاقية بأنها ليست ضرورة سورية كما يروّج لها البعض، بل ضرورة لإسرائيل. وأي خطوة في هذا الاتجاه ستكون بمثابة انكسار جديد، ما لم تُبن على وحدة داخلية سورية، تحصّن البلاد من الضغوط الخارجية وتعيد الصراع إلى أساسه: ضد الاحتلال ومطامعه التوسعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى