“جد اللاجئين ” يواجه اتهامات من نساء سوريات

تحقيق صحفي يفضح ممارسات المسؤلين الاتراك في استغلال اللاجئين السوريين ونظرتهم الدونية للسوريين
تحقيق BBC: اتهامات بالتحـرش والابتزاز الجنـسي لصاحب متجر خيري في أنقرة… و“جدّ اللاجئين” ينفي
تركيا بالعربي، 21 تشرين الأول 2025
كشفت شبكة BBC التركية في تقرير استقصائي امتد لأكثر من عام، ونُشر بتاريخ 20 تشرين الأول/أكتوبر 2025، عن شهادات لعدد من النساء السوريات يتهمن فيها سعد الدين كاراغوز، صاحب متجر خيري في العاصمة التركية أنقرة، بالتحـــرش الجنــسي ومحاولة الاعتداء عليهن مقابل المساعدات. كاراغوز، المعروف بلقب “جدّ اللاجئين”، نفى جميع الاتهامات، مؤكداً أنه غير قادر صحياً على أي نشاط جنــسي وأن ما يُثار بحقه “افتراءات”.
يقع متجر “أمل الخيري” (Umut Hayır Mağazası) الذي أسسه كاراغوز عام 2014 في حيّ ألتنداغ—المعروف بـ“حلب الصغيرة” لكثرة السوريين فيه—ويقدّم مواد غذائية وملابس ومتطلبات أساسية للاجئين، مثل الأرزّ والحليب ومعجون الطماطم وحفاضات الأطفال. ويقول كاراغوز إنه قدّم المساعدة حتى اليوم لأكثر من 37 ألف شخص، وحصل عام 2020 على تكريم من صحيفة محلية، كما ظهرت أعماله في تقارير إعلامية عديدة، ويؤكد أنه تلقّى دعماً من مؤسسات محلية ودولية. كما يشير إلى أنّ مساحة التوزيع داخل الدكان ضيّقة ومزدحمة ومغطّاة بكاميرات مراقبة، ولذلك “لا يمكن أن يبقى منفرداً مع أي امرأة”، وفق تعبيره.
شهادات ثلاث سوريات: “بدأ كالملاك… ثم تحوّل إلى تهديد”
“مدينا” (اسم مستعار) فرت من حلب عام 2016 إلى تركيا. بعد أن مرض أحد أطفالها واضطرّت لرعايته وحدها إثر ترك زوجها لها، أصبحت تعتمد على المساعدات. تقول إن محيطها أرشدها إلى متجر كاراغوز، لكنها تتهمه بأنه بدأ يلمس النساء دون إذن ثم حاول معها ما وصفته بمحاولة اعتداء خلف ستارة داخل المتجر: “أمسكني وقال إنه معجب بي، وحاول تقبيلي. صرخت وطلبت أن يتركني. لو لم أصرخ، كان سيحاول اغتصابي.” تضيف أنها هربت، لكنّه طرق باب منزلها بعنف وهدّدها—بحسب روايتها—بإعادتها إلى سوريا إذا اشتكت. تقول إنها لم تتقدّم ببلاغ خوفاً من الترحيل، وإنها التزمت الصمت فترة طويلة.
الضحية الثانية “ندى” (اسم مستعار)، وهي 27 عاماً، قالت إن كاراغوز بدا لها أولاً “كالملاك”، لكنه اشترط عليها مرافقته إلى شقة فارغة مقابل المساعدة، مضيفاً—بحسب روايتها—: “لن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً… عشر دقائق فقط. وإن لم تأتي فلن أعطيك شيئاً.” وتزعم أنه تحرّش بها لاحقاً عند عودتها لأخذ حفاضات لطفلها، قائلاً لها: “لا تخافي… هذا طبيعي.” وتقول إنها هربت باكية ثم حذّرت نساءً ينتظرن خارج المتجر من الدخول.
الثالثة “باتول”، أمّ لثلاثة أطفال انتقلت لاحقاً إلى ألمانيا، تروي أنّها قصدت الدكان للحصول على طرد غذائي، ولدى استدارتها لالتقاط المساعدة وضع يديه على جسدها من الخلف، فصرخت ودفعته وغادرت المكان تاركة الطرد. تقول باتول إنها أفصحت عن هويتها أملاً في تشجيع أخريات على الكلام.
شهود وموظفون سابقون: “كنّا نرى التحـ. .ـرش في غرفة صغيرة خلف المكتب”
إلى جانب شهادات النساء الثلاث، نقلت BBC إفادات سبعة أشخاص من بينهم موظفون سابقون في المتجر. وقالت موظفة سابقة إن هناك غرفة صغيرة خلف مكتب كاراغوز كانت توضع فيها طرود المساعدات، وإنهم “اعتادوا رؤية التحـ. .ـرش”—بحسب قولها—داخل تلك الغرفة.
سوابق وإجراءات: شكاوى لم تُستكمل ومداهمة للمتجر في 2025
تذكر BBC أن الشرطة التركية استجوبت كاراغوز مرتين على الأقل. ففي 2019 تقدّمت امرأة ببلاغ ضده بتهمة التحـ. .ـرش والاعتداء، لكن النيابة حفظت الشكوى لعدم كفاية الأدلة. وفي 2022، أجرى مكتب الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مقابلات سرّية مع نساء بعد تبلغه مزاعم مشابهة. وفي 2025، داهمت الشرطة المتجر وأغلقته بالشمع الأحمر مؤقتاً، ثم استجوبت كاراغوز على خلفية شكوى جديدة. ويؤكد محاموه أن قراراً صدر في حزيران/يونيو 2025 بعدم تحريك دعوى (حفظ/عدم ملاحقة) لعدم كفاية الأدلة. وتقول مصادر أممية وأمنية إن المزاعم جدّية، لكن كثيراً من النساء لا يرغبن في الشكوى رسمياً بسبب الخوف من الاستهداف أو الترحيل.
ردّ كاراغوز: “أنا مريض ولا أقدر على علاقة”… وخبير: “إزالة خصية لا تُلغي القدرة”
في مقابلة مع BBC داخل فندق في أنقرة، نفى كاراغوز جميع الاتهامات، معتبراً أنه لو كانت صحيحة “لظهر عدد أكبر بكثير من المشتكيات”. وقدّم تقريراً طبياً يُظهر أنه خضع عام 2016 لاستئصال خصية، وقال إنه يعاني من السكري وارتفاع الضغط، ما يجعله “غير قادر على أي نشاط جنـ. .ـسي”. غير أن بروفيسور آتش قاضي أوغلو، رئيس قسم الأندورولوجيا في جامعة إسطنبول، قال لـBBC إن استئصال خصية واحدة لا يخفض التستوستيرون إلا بشكل طفيف (قرابة 90% من المستوى الطبيعي يبقى فعّالاً)، وبالتالي لا يمنع بالضرورة القدرة الجنـ. .ـسية. وعند مواجهته بهذا الرأي، تمسّك كاراغوز بإنكاره، مضيفاً أن الاعتداء الجنـ. .ـسي ليس دافعه الرغبة الجنـ. .ـسية بل القوة والسيطرة، لكنه قال: “لا أملك مثل هذا الدافع، نحن قدّمنا الخير ولا نهتزّ لكلام ثلاثة أو خمسة أشخاص.”
ويزعم كاراغوز أن بعض من يتهمنه متورطات في أنشطة غير قانونية وأنه أبلغ الشرطة عنهنّ سابقاً، ما دفعهن—بحسب روايته—لـ“الانتقام” منه بهذه المزاعم. جميع النساء نفت ذلك، وتقول BBC إنها لم تعثر على دليل يدعم اتهامه لهن بجرائم.
تغيير الاسم والسعي للترخيص… ومصائر متباينة للضـ. .ـحايا
في آذار/مارس الماضي، بدّل كاراغوز اسم مؤسسته من “أمل الخيري” إلى “جمعية مطبخ بيتي” (Bir Evim Aşevi Derneği) وتقدّم بطلب لتحويلها إلى جمعية مرخّصة رسمياً—وهو ما لم يفعله من قبل.
في المقابل، تقول مدينا إنها انتقلت لمنزل جديد وغيّرت رقم هاتفها لكنها ما زالت ترى كاراغوز في كوابيسها: “فقدت ثقتي بالرجال… دخلت في اكتئاب وفكّرت بالموت، وما أبقاني على قيد الحياة هو أطفالي.” وتضيف أن ابنها المريض توفي بعمر سبع سنوات، وأنها حصلت مؤخراً على موافقة إعادة توطين في بلد ثالث بعد عشر سنوات قضتها في تركيا. ورغم شعورها بفرصة لبداية جديدة، تبدي قلقها على نساء أخريات لا يزلن—بحسب قولها—يطلبن المساعدة من الجهة ذاتها: “إنه صاحب نفوذ… حتى لو اشتكينا، من سيستمع؟ ومن سيهتم؟”




