الإدارة الذاتية في سوريا: معركة الوجود وبناء النموذج وسط ضغوط ثلاثية

.
تعمل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ضمن ظروف صعبة ومعقدة للغاية وضمن
التحديات الاقتصادية، والصراعات الإقليمية والدولية . تأسست كأستجابة عملية لحالة الفراغ التي خلفتها الدولة، وسعيًا لابتكار نموذج حكم محلي يقوم على مبدأ الشراكة المجتمعية في إطار سوريا المستقبلية.
في هذا السياق، يشير الباحث والمحلل السياسي الدكتور محمود عباس إلى أن الإدارة الذاتية تخوض منذ نشأتها معركة متعددة الأبعاد في بيئة تُعدّ من الأكثر تعقيدًا في المشهد السوري، حيث تواجه ضغوطًا استثنائية ومتواصلة على ثلاث جبهات رئيسية، تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والإيديولوجيا والسيادة الإقليمية.
وتتمثل الجبهة الأولى في خطر الإرهاب العابر للحدود، إذ ما تزال خلايا تنظيم داعش النائمة تنشط في مناطق متفرقة تمتد من بادية الشام إلى الحدود العراقية. ويشكّل هذا التهديد عبئًا أمنيًا وإنسانيًا كبيرًا على كاهل الإدارة الذاتية، لا سيما في ظل استمرار التحديات المرتبطة بملف مخيم الهول وسجون عناصر التنظيم، في وقت تتخلى فيه العديد من الدول عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها المحتجزين.
أما الجبهة الثانية، فتتعلق بالسياسات التركية تجاه شمال وشرق سوريا، حيث تمارس أنقرة ضغوطًا سياسية ودبلوماسية متواصلة، في محاولة لدفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ موقف معادٍ لقوات سوريا الديمقراطية. وبالتوازي، تعتمد تركيا على أدوات داخلية عبر تحريض بعض المكونات العشائرية، والسعي لإحداث شرخ اجتماعي بين العرب والكورد داخل المجتمع المحلي، وحتى داخل صفوف “قسد” نفسها. ورغم كثافة هذه الجهود، فإنها لم تنجح، على مدار أكثر من عقد، في تحقيق اختراق استراتيجي حقيقي، مع بقاء قوات سوريا الديمقراطية قوة متماسكة نسبيًا.
وتبرز الجبهة الثالثة، الأكثر تعقيدًا على المستوى السياسي، في موقف الحكومة السورية الانتقالية ذات المرجعية الإسلامية، والتي ما تزال ترفض الاعتراف باللامركزية الديمقراطية بوصفها خيارًا وطنيًا يعزز وحدة البلاد، وتتعامل معها على أنها تهديد مباشر للسلطة المركزية. ويكشف هذا الموقف عن صدام واضح بين مشروع الإدارة الذاتية القائم على التعددية والحوكمة المحلية، وبين مقاربة سياسية تستند إلى مركزية صارمة ومرجعيات دينية، ما يفتح الباب أمام إشكالات بنيوية تتعلق بمستقبل النظام السياسي في سوريا.

وأكد الدكتور محمود عباس أن هذه التحديات مجتمعة تعيق انتقال الإدارة الذاتية من مرحلة “حماية الوجود” إلى مرحلة بناء نموذج مستدام للحكم، يشمل تطوير البنية التحتية، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وبناء مؤسسات أكثر فاعلية، وتحسين الواقع المعيشي للسكان. وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا مع استمرار موجات النزوح والهجرة، ولا سيما في صفوف الكورد، نتيجة التهديدات العسكرية المتكررة والتدهور الاقتصادي.
وأضاف أن الإدارة الذاتية، ورغم كل الضغوط، تواصل العمل على ترسيخ مشروع سياسي وثقافي طويل الأمد، وبناء قاعدة اقتصادية قابلة للنمو في حال تراجع الضغوط العسكرية والأمنية. ويرى مراقبون أن هذا المشروع يُعدّ من أكثر النماذج قابلية للاستمرار ضمن الخارطة السورية الراهنة، في بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسامات.
وتابع الدكتور محمود عباس أن موقع الإدارة الذاتية في سوريا الجديدة يستند إلى عاملين أساسيين في المرحلة المقبلة؛ أولهما التقاطع البنيوي بين مصالح الولايات المتحدة والتحالف الدولي من جهة، ودور قوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى، في محاربة الإرهاب والحد من تمدد الميليشيات الإيرانية عبر الممر السوري–اللبناني. ويجعل هذا التقاطع من استمرار الدعم الأمريكي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، خيارًا مرجحًا، في إطار مقاربة تشبه إلى حدّ كبير طبيعة العلاقة التي تربط واشنطن بقوات البيشمركة في إقليم كوردستان العراق.
أما العامل الثاني، فيكمن في وحدة الموقف السياسي الكوردي حول مشروع اللامركزية والفيدرالية. إذ إن الحفاظ على موقف موحّد بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكوردي قد يضع الحكومة الانتقالية أمام واقع سياسي يصعب تجاهله، ويجعل القبول باللامركزية خيارًا وطنيًا أقل كلفة من العودة إلى دوامة صراع جديدة قد تعيد سوريا إلى نقطة الصفر.
يرى مراقبون سياسيون وباحثون أن مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا يعد نموذجاً سياسياً بارزاً أفرزته الحرب السورية، حيث فرض نفسه كواقع وسط غياب حل. ورغم التحديات، نجحت الإدارة الذاتية في تأسيس بنية إدارية وخدمية حدّت من تدهور الوضع المعيشي والأمني في ظل حصار. ويؤكد المراقبون أن تجاهل هذه التجربة في أي تسوية سياسية قد يعيد إنتاج الصراع، بينما دمجها في إطار دولة لامركزية قد يسهم في الاستقرار وبناء الثقة بين مكونات البلاد
المشروع الادارة الذاتية من أكثر المشاريع التي تتمتع بإمكانية كبيرة لتحقيق الاستمرارية والاستدامة ضمن السياق السوري . يتميز هذا المشروع بقدرته على التكيف مع الظروف المتغيرة والاحتياجات المتجددة للمجتمعات المحلية ,مما يجعله نموذجا عمليا يمكن ان يساهم في إيجاد حلول مستدامة تلبي تطلعات السكان وتعزز من فرص الاستقرار الاجتماعي في سوريا الجديدة . و يعتبر الركيزة الاساسية لضمان استقرار وأمن مستقبل شمال وشرق سوريا
اميرة ابراهيم




