“قسد” ودمشق.. البحث عن مخرج

مع اقتراب موعد تنفيذ اتفاق الرئيس الانتقالي أحمد الشرع – وقائد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) الجنرال مظلوم عبدي من نهايته (نهاية العام الجاري) تتسارع وتيرة اللقاءات بين قيادة قسد وحكومة الشرع، من أجل التوصل إلى صيغة مشتركة، مقبولة، تكون مخرجا للخلافات الكثيرة بين الجانبين، ولعل ما يشير إلى إمكانية حصول اختراقات ما على خط هذه اللقاءات، هو الانخراط الأميركي فيها، لاسيما بعد زيارة المبعوث الأميركي، توم براك، إلى الحسكة ولقاء مظلوم عبدي هناك، ثم اللقاءات الموسعة التي جرت بين هذه الأطراف في دمشق، كل ذلك بموازاة تصاعد وتيرة الاتصالات والزيارات والمشاورات بين دمشق وأنقرة التي تتابع عن كثب كل حركة وخطوة وتصريح على هذا المسار، وبهذا الخصوص.
صوت قسد وصمت دمشق!
من يستمع هذه الأيام إلى تصريحات مظلوم عبدي، وغيره من قادة قسد والإدارة الذاتية، لا بد أن يلحظ نظرة تفاؤل بإمكانية التوصل إلى تفاهمات دائمة مع دمشق، فالحديث عن إمكانية دمج قسد وقوات الأمن (الآسايش) في وزارتي الدفاع والداخلية باتت ممكنة بعد بدء اللجان المعنية البحث في تفاصيل وآليات الدمج والهيكلة، كما أن حديث عبدي عن تفاهمات شفوية، والاتفاق على تشكيل لجنة لتعديل الإعلان الدستوري، ليضمن حقوق جميع المكونات السورية، ومشاركة قوات مكافحة الإرهاب التابعة لقسد بمهام عملية في انحاء الأراضي السورية لصالح هوية وطنية، كلها مؤشرات تصب في رؤية قسد التي طالما أبدت رفضها للخطوات الاحادية التي اتبعتها السلطة الجديدة في دمشق، بدءا من الحوار الوطني، مرورا بالإعلان الدستوري، وصولا إلى انتخابات مجلس الشعب. واللافت هنا، هو أنه أمام صوت قسد الذي لا يتوقف عن التصريح وتقديم الرؤى والمقترحات، ثمة صمت يحكم موقف دمشق، وهو ما يثير تساؤلات كثيرة عن الأسباب التي تقف وراء هذا الصمت، ولماذا تكتف به، إلى درجة أن الاعلام الحكومي لم يشر لا من قريب أو بعيد إلى خبر اللقاء الأخير بين الشرع – عبدي، في ظل غياب أي تصريح حكومي حول ما يتحدث به قادة قسد، توافقاً أو تناقضاً أو اختلافاً، وهو ما يعني أن هذا الصمت يخفي خلفه معادلة ما، معادلة ربما تتعلق بحسابات المصالح من تفاهم ممكن مع قسد، أو جولة من التصعيد في ظل البؤر التي توترت في حيي الشيخ مقصود والاشرفية بحلب، مروراً بالاشتباكات المتقطعة التي تحصل في دير حافر، وصولاً إلى التوتر المتجدد في مناطق بدير الزور، وفوق كل ما سبق الانصات جيداً إلى ما تقوله أنقرة بهذا الصدد، خاصة أن الأخيرة بدت تظهر نفسها كأنها المعنية الأولى بهذا الاتفاق وتنفيذه، على اعتبار أن ذلك يخصها أمنها القومي في معركة الصراع المتعدد الأوجه والجبهات مع حزب العمال الكردستاني، فيما يلعب الأميركي دور ضابط الإيقاع الذي بدأ يقوم بدور الإطفائي لمنع اشتعال بؤر التوتر، وتدوير زوايا الخلاف، وتقريب المفاهيم المتباعدة، ومراعاة مصالح اللاعبين الإقليميين وتحديدا تركيا وإسرائيل.
هل من مخرج؟
التمسك بالمواقف المسبقة لا يمكن أن تنتج حلولا وطنية، كما أن الرؤى الشمولية لا يمكن أن تنتج تفاهمات تؤدي إلى صيرورة سياسية في الدول الخارجة من الحروب، لا سيما إذا كانت هذه الدولة تقف على بحر من التنوع الديني والقومي والاجتماعي والتاريخي والمناطقي، وعليه فإن الجدل بشأن تمسك الإدارة في دمشق بسلطة شديدة المركزية في عموم البلاد، وأطراف تتراوح مطالبها بين الانفصال والفيدرالية واللامركزية، تبدو معادلة للحرب أكثر مما هي معادلة للنهوض ببلد مدمر، ممزق، تتصارع عليها وفيها الاجندات المحلية والإقليمية والدولية، وعليه، فإن الأنظار تتوجه إلى صيغة حل يمكن أن تكون مخرجا لهذه المعادلة الصعبة التي لا غنى عنها، لطالما أن خيار القوة مدمر للجميع، ولعل ما حصل من مجازر وانتهاكات في الساحل والسويداء يشكل درسا ينبغي استخلاصه في معركة بناء دولة تتطلع إلى الاستقرار والنهوض للانتقال إلى عهد جديد، يرى البعض أن الطريق إليها يكمن في لا مركزية تشاركية تدريجية توفق بين مفاهيم المركزية والفيدرالية، انطلاقا من خصوصية البلاد وظروفها الموضوعية، شرط وجود عملية سياسية، تشارك فيها الأطراف كافة، وبضمانات دستورية وقانونية تجعل من العملية مضمونة النتائج، بما يضمن ما سبق توازن في مصالح اللاعبين الإقليميين المنخرطين في الملف السوري، وهو ما يتطلب أفكارا ابداعية تناسب الحالة السورية، فالإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا بمؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية واقع لا يمكن تجاهله، وأي مفهوم يقوم على التسليم والاستلام لا يمكن أن يكون إلا مدخلا للصدام والفوضى والتفكك، وعليه من مصلحة الجميع إدارة المرحلة بروح تشاركية وفق ترتيب دستوري وقانوني وسياسي، يخفف من الاحتقان، ويحقق الاستقرار فوق ذاكرة الصراع التي دمرت الذات الإنسانية والهوية قبل البنية التحتية.
خورشيد دلي




