القصف كأداة تهجير: سياسة ممنهجة لإفراغ الشيخ مقصود والأشرفية

لا يمكن النظر إلى القصف المتواصل الذي يتعرّض له حيّا الشيخ مقصود والأشرفية بوصفه نتيجة عرضية للاشتباكات أو “أضراراً جانبية” كما يُروَّج أحيانًا، بل هو فعلٌ مقصود تمارسه عناصر السلطة ومرتزقة تركيا ضمن سياسة واضحة تستهدف المدنيين العزّل، بهدف إجبارهم على النزوح وإفراغ الحيين من سكّانهما الأصليين.
إنّ استهداف الأحياء السكنية المكتظّة، في أوقات لا تشهد أي تحرّكات عسكرية، واستخدام القذائف والأسلحة الثقيلة ضد منازل المدنيين، يؤكّد أنّ الهدف ليس عسكرياً، بل ديموغرافي بامتياز. فالرسالة واضحة: إمّا الرحيل، أو البقاء تحت القصف والموت. هكذا تُدار حروب التهجير القسري، وهكذا يُراد للشيخ مقصود والأشرفية أن يُفرغا من أهلهما.
ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان نماذج متكرّرة من سياسات التغيير الديموغرافي التي مورست في مناطق سورية عديدة، حيث يُستخدم العنف المفرط، والتجويع، والحصار، والقصف العشوائي، لدفع السكان إلى النزوح، تمهيداً لفرض وقائع جديدة على الأرض. وفي هذا السياق، يصبح المدني هدفاً مباشراً، لا ضحية عارضة.
الأخطر في هذا المشهد ليس فقط القصف نفسه، بل محاولة تبريره أخلاقياً وإعلامياً، عبر شيطنة السكان، أو اتهامهم بالانتماء العسكري، أو الادّعاء بأن “المدنيين خرجوا وبقي المقاتلون”. هذه اللغة ليست جديدة؛ إنها اللغة ذاتها التي سبقت كل حملات التهجير القسري في سوريا، والتي استُخدمت لتبرير الجرائم بحق البشر والحجر.
إنّ ما يتعرّض له سكان الشيخ مقصود والأشرفية هو انتهاك صارخ لكل القوانين الإنسانية، وجريمة واضحة تستهدف الوجود، لا المواقع العسكرية. فالقصف هنا ليس وسيلة حرب، بل أداة اقتلاع. ومع ذلك، يواصل المدنيون تمسّكهم بأرضهم، ويواجهون الموت بالحياة، في فعل مقاومة إنسانية قبل أن تكون سياسية.
التاريخ علّمنا أنّ المدن لا تُفرغ بالقوة وحدها، وأنّ الشعوب التي تُستهدف في وجودها لا تُمحى بالقصف. وما يحدث اليوم سيبقى شاهداً على جريمة، كما سيبقى شاهدًا على صمود من رفضوا أن يكون النزوح قدرهم الوحيد.
شفكر آزاد




