آراء ومقالات

بين السيادة والتبعية في القرارات، تركيا وحكومة دمشق نموذجاً

تُعدُّ الأزمة السورية نموذجاً صارخاً لتشابك المصالح الإقليمية والدولية، حيث لم تقتصر الأزمة على صراعٍ داخلي بين أطراف سوريَّة فحسب، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية وعلى رأسها التدخل التركي المباشر وغير المباشر في شؤون البلاد.

هذا التدخل السافر يُعدُّ “بشكل واضح” دعماً علنياً لحكومة دمشق المؤقتة والفصائل المتطرفة التابعة لها ما جعل هذه الحكومة أداة لتنفيذ أجندة تركيا بدلاً من أن تكون ممثِلاً حقيقياً لتطلعات السوريين نحو الحرية والديمقراطية.

فمنذ أن تشكلت حكومة دمشق المؤقتة؛ رُوِّجَ لها على أنها بديل ديمقراطي عن النظام المركزي في دمشق، لكنها سرعان ما تحولت إلى كيان تابع للسياسة التركية ويخضع لتوجيهات أنقرة في قراراته العسكرية والإدارية وحتى الاقتصادية. هذه التبعية أدت إلى فقدان استقلال القرار الوطني وتحويل هذه الحكومة إلى غطاء شرعي لتكريس الاحتلال التركي في مناطق الشمال السوري. فبدلاً من أن تعمل الحكومة المؤقتة في خدمة الشعب السوري أصبحت تُستخدم لتبرير وجود القواعد التركية وتغطية ممارسات الفصائل الموالية لها.

لقد ساهمت أنقرة عبر هذه الحكومة والفصائل التابعة لها في تعميق الانقسام الداخلي بين السوريين، حيث مارست سياسة إقصاء المكونات غير الموالية لها، وخاصة “الكُرد والسريان والآشورين وحتى العرب الذين يرفضون التبعية” ما يعكس مشروعاً واضحاً لطمس الهوية السورية وتحويل الشمال إلى منطقة نفوذ دائم لأنقرة. هذه السياسات تُعد انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية واعتداءٌ على حقوق المكونات السورية الأصلية في أرضها وتاريخها وثقافتها.

إن إنكار حقوق جميع المكونات وعدم الاعتراف بتعددية المجتمع السوري من قِبل حكومة دمشق المؤقتة يُعتبر استمراراً للعقلية الإقصائية التي مارستها الأنظمة المركزية السابقة، فبدلاً من أن تكون هذه الحكومة جسراً لبناء نموذج ديمقراطي تشاركي لكنها تحولت إلى نسخة جديدة من الاستبداد بطابع ديني متشدد.

إن تجاهل حقوق الشعوب والمكونات السورية لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والكراهية ويجعل من أي حل سياسي مستقبلي أمراً بعيد المنال.

إن تعقيد الأزمة السورية اليوم يعود بشكل أساسي إلى التدخل التركي العميق في بُنية الحكومة السورية وتحويلها من قوة سياسية تسعى للتغير إلى أدوات تابعة لمصالحها الإقليمية، فأنقرة لا تسعى إلى حل شامل للأزمة السورية بقدر ما تحاول استخدام الفصائل المتطرفة لتحقيق مشروعها في إنشاء منطقة عازلة تمتد داخل الأراضي السورية تخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية كما أنها تغذي التطرف في المناطق الخاضعة لنفوذها لتمنع أي تجربة ديمقراطية يمكن أن تتطور في شمال وشرق سوريا، وهو ما يشكل العقبة الكُبرى أمام أي حل سياسي في سوريا.

إن الطريق إلى الحل الحقيقي في سوريا يبدأ من إنهاء التبعية لأنقرة وفتح حوار وطني شامل يشارك فيه جميع القوى والمكونات على أساس المساواة والاحترام المتبادل، كما يجب الاعتراف بحقوق الشعوب الكردية والعربية والسريانية وغيرها في إدارة شؤونها وتقرير مصيرها ضمن إطار وطني ديمقراطي لا مركزي يضمن العدالة والمشاركة، لذلك، فإن إنهاء هذا التدخل وإعادة القرار إلى السوريين أنفسهم هو الخطوة الأولى نحو الخروج من الأزمة.

أحمد سليمان

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى