سوريا بعد عام من رحيل الأسد: سلطة الجولاني بين الهيمنة والفوضى والكرد قوة الاستقرار

بعد مرور عام على دخول الجولاني إلى دمشق وما تبعه من سقوط النظام السابق، تبدو البلاد أمام واقع مختلف في ملامحه ومتشابه في جوهره. التغيير الذي توقّعه السوريون تحوّل إلى إدارة جديدة تتعامل مع مؤسسات الدولة بوصفها غنيمة سياسية، وتعيد إنتاج الأساليب ذاتها التي عانت منها البلاد لعقود. ما جرى بعد رحيل الأسد لم يتحول إلى انتقال وطني شامل، وإنما إلى تنافس على النفوذ، يتقدمه الجولاني الذي أسس سلطته عبر شبكة ولاءات أمنية واقتصادية، وحدد شكل الحياة العامة وفق حساباته، من دون أي التزام ببرنامج سياسي يضمن الحقوق العامة أو يفتح الطريق لمشاركة وطنية واسعة.
تجربة العام الأول تكشف أن السلطة الجديدة لم تمنح المجتمع إشارات تطمئن نحو مستقبل أكثر عدلاً. الخطاب الرسمي يكرر وعوداً مبهمة، والقرارات تتخذ داخل دوائر ضيقة، فيما بقيت القوى الاجتماعية وممثلو المكوّنات السورية خارج عملية صنع القرار. الأقليات تشعر أن السلطة الناشئة تتعامل معها بوصفها كتلاً قابلة للاحتواء، من دون حوار جاد حول هواجسها أو حقوقها أو مكانتها في أي صيغة جديدة للدولة. هذا الشعور نمّى فجوة ثقة كبيرة، خاصة أن الجولاني لم يقدّم أي رؤية سياسية مكتملة، ولم يستخدم حتى أبسط المفردات التي تشير إلى مشروع ديمقراطي أو قانوني واضح، متجنباً الحديث عن دولة مدنية أو مشاركة سياسية أو تداول سلطة.
المشهد السياسي يعاني غياباً تاماً لقانون ينظم الأحزاب، ما يجعل العمل العام محصوراً ضمن الموالين للجولاني أو الداعمين له. البرلمان الذي تشكل بعد دخول دمشق جاء شكلياً، لا يملك أدوات رقابية، ولا يعكس التوازنات الاجتماعية، ولا يسمح بولادة تيارات سياسية جديدة. الحكومة التي تم تشكيلها تدير الشؤون اليومية من دون رؤية إصلاحية، وتتحرك وفق توجيهات مباشرة من قيادة الجولاني، ما حوّلها إلى جهاز إداري تابع بدلاً من أن تكون مؤسسة تنفيذية لها استقلالية أو قدرة على الإجابة عن متطلبات الناس.
في هذا السياق، برز الدور الكردي كعامل استقرار نسبي، خاصة أن القوى الكردية حافظت على مؤسسات واضحة، وقدمت نموذجاً براغماتياً في الإدارة. التجربة الكردية في شمال وشرق سوريا صمدت لأنها تحاول توزيع السلطة على المجتمعات المحلية، وتمنح المرأة دوراً فعلياً، وتتيح المجال للمجالس المدنية كي تدير شؤونها. هذا النموذج جعل الكثير من السوريين والنخب يرون فيه نقطة ضوء وسط الارتباك الحاصل في باقي البلاد. الكرد تصرفوا خلال العام الماضي بمنطق حماية المجتمع من الفوضى، وبمنهج سياسي ينطلق من الشراكة لا من الهيمنة، وهذا ما عزّز مكانتهم في الوعي العام، خصوصاً أن السلطة الجديدة في دمشق لم تقدم بديلاً واضحاً.
مع مرور الوقت يتزايد الشعور بأن البلاد انتقلت من سلطة مركزية مغلقة إلى سلطة جديدة تكرر البنية ذاتها بطرائق مختلفة. الوجوه تغيرت لكن العقلية الحاكمة لم تتغير. الخطاب يتجنب أي مشروع دستوري يحدد حدود السلطة، والقرارات الكبرى تُدار داخل غرف معتمة لا يعرف السوريون آلية عملها. هذا الواقع جعل قطاعات واسعة من المجتمع ترى أن ما حدث لم يكن تحولاً سياسياً بقدر ما كان انتقالاً في موقع القوة، مع استمرار المنهج الأمني وهيمنة مركز القرار على المجتمع، وغياب الضمانات التي تحمي الناس من التعسف أو من تجدد الصراع.
بهذا الشكل، تبدو السنة الأولى مرحلة ضائعة لم تُبنَ فيها مؤسسات مستقلة أو قوانين حديثة. القوى المدنية تعاني التهميش، والإعلام يعمل ضمن حدود ضيقة، والاقتصاد محكوم بشبكات نافذة تستفيد من غياب المحاسبة. ومع ذلك تستمر القوى الكردية في لعب دور وطني واسع، تحاول الحفاظ على تماسك مناطقها وتقديم مقاربة سياسية أقل توتراً، وتطالب بحل شامل يعيد ترتيب العلاقة بين المكونات السورية على أساس التشارك، لا التبعية.
هذا الواقع يجعل السوريين أمام سؤال مفتوح: هل سيستمر النهج المركزي الجديد في إحكام قبضته، أم أن البلاد ستتمكن من الوصول إلى صيغة سياسية تحمي الجميع وتفتح الباب أمام حياة عامة حرة؟ السؤال يتردد في الشارع كل يوم، والجواب ما زال مؤجلاً، لكنه بات يختبر القدرة الفعلية للسلطة على بناء دولة حديثة، لا سلطة جديدة بوجه قديم.
زوراب عزيز




