آراء ومقالات

بين الانتهاك الفردي والانتهاك الممنهج.. الذباب الإلكتروني وإعادة تشكيل الوعي في سوريا

في خضمّ المشهد السوري المعقد، لم تعد الانتهاكات تُقاس فقط بمدى عنفها أو اتساع رقعتها، بل أيضاً بطريقة توظيفها إعلامياً وتحويلها إلى أداة في صراع السرديات بين القوى المتنازعة.

ومع دخول “الذباب الإلكتروني” كفاعل جديد في الحرب السورية، بات من الضروري التمييز بين الانتهاك الحقيقي والانتهاك المصنَّع على منصات التواصل.

ما هو الانتهاك الفردي والممنهج

يُميّز خبراء القانون الدولي بين الانتهاك الفردي والانتهاك الممنهج.

فالانتهاك الفردي هو سلوك يقوم به شخص ضد آخر في واقعة محددة، كجريمة قتل أو اعتداء منفرد، في حين أن الانتهاك الممنهج يُمارَس من قبل جهة أو مجموعة بطريقة منظمة ومتكررة تستهدف فئة أو جماعة على أساس العرق أو الدين أو الانتماء السياسي، وهو ما يصنف عادة في خانة الجرائم ضد الإنسانية.

في سوريا، وبعد انهيار نظام بشار الأسد، تغيّر المشهد السياسي والاجتماعي جذرياً، وانعكست التحولات على العلاقات بين المكونات الطائفية والعرقية.هذا التمييز أساسي لفهم ما يجري في سوريا ما بعد سقوط النظام، حيث اختلطت حالات الانتقام الفردي بالسياسات الجماعية الموجهة، وغابت آليات المساءلة والمحاسبة الفعلية.

فمنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول، شهدت مناطق الساحل السوري، ذات الغالبية العلوية، قرارات فصل جماعي لموظفين على خلفية انتمائهم الطائفي، ما أثار جدلاً واسعاً حول التمييز الممنهج، ما اعتُبر تمييزاً على أساس الهوية ومخالفة صريحة لمبادئ العدالة والمواطنة.

لم تقتصر الحالة على الفصل الجماعي بل شهدت تلك المناطق في آذار/مارس الماضي، بحسب ما وثقته منظمات حقوقية من مجازر وانتهاكات ارتكبت حق الآلاف من النساء والشباب والأطفال من الطائفة العلوية، نفذتها مجموعات انتقامية وفصائل مسلحة تابعة للحكومة السورية الجديدة بذريعة الولاء للنظام السابق.

المشهد تكرر في الجنوب السوري ضد الطائفة الدرزية، حين شنّت قوات تُعرف باسم “قوات العشائر” هجمات على مناطق في محافظة السويداء في تموز/يوليو، امتدت إلى ريف درعا، وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، في مؤشر على استمرار الانتهاكات الممنهجة الموجهة على أسس طائفية.

حتى المكوّنات المسيحية لم تكن بمنأى عن دوامة الاستهداف، بعد حوادث كـ مقتل شاب مسيحي في قرية العنازة بريف حمص وتفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، ما عزز المخاوف من هشاشة الحماية الأمنية والدينية للأقليات في البلاد.

الذباب الإلكتروني وصناعة الرواية التي تمارسها الحكومة السورية الانتقالية

بموازاة ما يجري على الأرض، ولتخفيف الضغط الدولي ومنظمات حقوق الإنسان تسعى الحكومة السورية الانتقالية وبعض جهات إقليمية ودولية متنافسة الدول التي تساندها وتدعمها، تصاعدت على المنصات الرقمية حملات منظمة من الذباب الإلكتروني تسعى لتوجيه الرأي العام وصناعة رواية سياسية مغايرة.

تستهدف هذه الحملات بشكل خاص قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتتهمها بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المكوّن العربي في مناطقها. غير أن التحقيقات المحلية والتقارير الميدانية تُظهر أن أغلب تلك الحوادث حالات فردية أو نزاعات عشائرية تم تضخيمها بهدف تشويه الصورة السياسية والعسكرية لقسد.

هذا النمط من التحريف المنهجي للمعلومات يعكس انتقال الصراع من الميدان إلى الفضاء الرقمي، حيث تُدار المعارك بالهاشتاغات والمحتوى المفبرك أكثر مما تُدار بالرصاص.

تُظهر التجربة السورية أن أخطر ما تواجهه المجتمعات المنقسمة ليس فقط الانتهاك بحد ذاته، بل تسويقه وتبريره أو تزييفه إعلامياً. فبينما تبقى بعض الانتهاكات الفردية محدودة النطاق، تتحول أخرى عبر التضخيم الإعلامي إلى أدوات تحريض وانقسام.

وبذلك يصبح الذباب الإلكتروني جزءاً من منظومة الانتهاك نفسها في ظل غياب دولة العدلة والقانون والفوضى الفصائلية المسلحة، إذ يشارك في قتل الحقيقة وتشويه الضحايا وتغذية الكراهية بين المكونات، وتوظيف الإعلام كسلاح سياسي يستخدم ضد الشعب السوري

مسعود محمد محمد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى