بضع كلمات أوّلية عن سوريا وأقليّاتها

نَدُر أن تَقبل أقليّة ما قديماً أن “توصم” بذلك، وتلك ظاهرة غريبة أحياناً. كان ذلك ملائماً للروح الوطنية ذات الأناشيد، ولعقلية الأكثرية التي من مصلحتها المباشرة إنكار وجود الأقليْات أيضاً: كلّنا أبناء شعب واحد، ووطن واحد. كان من السيئ وصف شخص بأنّه من أقلّية، وبالأحرى وصف الإنسان لذاته بذلك. هي حالة كانت – وربّما لا تزال- أشبه ما تكون بحالة إنكار “وطنية”، اصطدمت بقوة بجدار من الدماء في الأشهر القريبة الماضية في سوريا.
ذلك الإنكار في سياق قضايا الأقليات، يشير عادةً إلى عدم الاعتراف، أو الامتناع العنيد عن مواجهة التفاوتات المتعدّدة، والتمييز، والظلم الذي تواجهه عموماً الجماعات الأقلية. يمكن أن يتجلى هذا الإنكار بطرق متعددة، بما في ذلك:
*إنكار التاريخ أوّلاً، حيث يكافح العديد من المجتمعات لطمس وتزييف تاريخها المتعلق بالجماعات الأقلية كسرديات مظلوميّتها، ومدى أصالة وجودها على أرضها وعمقه في التاريخ. إنكار هذه الأحداث التاريخية يمنع الفهم الكامل للاختلالات الراهنة.
*وإنكار الثقافة ثانياً، عندما ما يكون هناك إنكار لهوية وثقافة ومساهمات الجماعات الأقلية، ما قد يشمل ذلك تجاهل لغاتهم، وتقاليدهم، أو تواريخهم على أنها أدنى أو غير مهمة مقارنة بالثقافة السائدة.
*وإنكار اجتماعي ثالثاً، يتضمن عدم الاستعداد للاعتراف بالتمييز المستمر الذي تواجهه الجماعات الأقلية في مجالات مختلفة، مثل العمل، والإسكان، والتعليم، وتطبيق القانون. إن الاعتقاد بأن المجتمع عادل ومتساوٍ بطبيعته، يمكن أن يؤدي إلى تجاهل العنصرية، أو التمييز الرسمي، كما قد تتمّ الإشارة إلى أمثلة وأحداث منفردة وعابرة بصفتها ظاهرة ثابتة وشاملة أحياناً.
*وإنكار سياسي رابعاً، قد ينكر فيه بعض القادة وصانعو السياسات، أو المنظّمات وجود التفاوتات، أو يرفضون تنفيذ السياسات التي تعالج هذه الفجوات. يمكن أن يعيق هذا الرفض التغيير الجذري ويعزز الوضع الراهن ومقاومته للتقدّم والتحديث.
وأخيراً إنكار نفسي، قد ينكر الأفراد فيه تحيزاتهم أو ميولهم ولا يرونها. يمكن أن يحدث هذا بسبب التنافر المعرفي، حين يتعارض الاعتراف بالتحيز مع صورة الذات، كفرد عادل ومنصف. هذا النوع من الإنكار يكون لدى “أصحاب الضمير”.
قد يتسبّب ذلك الإنكار- ونرى بعض ذلك- في استمرار المشكلة/ القضية وتفاقمها، ويعرقل الرؤية المشتركة. كما يمنع تيسير الحوار والتوافق حول مسائل أساسية للتقدّم والتغيير، بل يقسّم القوى اللازمة لتحقيق ذلك. وليس نادراً أبداً أن يدفع ذلك بأفراد الأقليات المعنية نحو التهميش الذاتي، إضافة إلى الموضوعي، ممّا ينشأ عنه غياب لشرائح مهمة يجب أن تتمثّل في الحوارات وصناعة القرار. وقد يكون لذلك أثر هائل وخاص في فترات تأسيس الدول. إنّ إعلان الالتزام بحقوق الأقليات بالغ الأهمية لضمان حماية هذه المجموعات وتمتّعها بثقافتها بما فيها دينها ولغتها وهوّيتها، والمشاركة بفعالية في المجتمع. في حين أنه إذ يتمّ إنكاره وتجاهله، أو نفيه سوف يصبح قنبلة كامنة تختزن التوتّر حتى تصل به مضاعفاً لحظة الصدام. وها هو في سوريا، يغدو كذلك، بعد طمسه منذ آخر إحصاء شمل تلك التفاصيل عام 1943، وأيّة أرقام في المسألة وردت بعد ذلك هي انعكاس للرغبات المتعارضة بطبيعة الحال. وقبل التجاوز إلى نقطة أخرى. لا بدّ من التأكيد على أن مفهوم الأقليّات وحقوقها وحمايتها، أصبحت من ضمن القانون الدولي منذ ما بعد الربع الأول من القرن العشرين، واتّسع وشاع بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح أحد أهمّ المعايير في تقييم مدى شرعية دولة ما. وقد بدأت المحاولة الرسمية لتعريف الأقليات عام 1971 عندما عيّنت اللجنة الفرعية للأمم المتحدة لمنع التمييز وحماية الأقليات، فرانشيسكو كابوتورتي، مقررا خاصا، لبدء دراسة حول تطبيق المبادئ المنصوص عليها في المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بشأن حماية مصالح الأقليات، مع التركيز بشكل خاص على تحليل مفهوم الأقلية. كُلّف كابوتورتي بدراسة حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية، أو إثنية، أو دينية أو لغوية، التي اكتملت عام 1979، وقدّمت أيضا تعريفا للأقلية. وفّر تعريف كابوتورتي- الأكثر شهرة وقبولاً- المعايير الأكثر شمولا لتحديد مجتمع الأقلية وتمييزه عن مجتمع الأغلبية، وعرّف الأقلية بأنها مجموعة أقل عددا من بقية سكان دولة ما، في وضع غير مهيمن، ويتمتع أعضاؤها، وهم مواطنون في الدولة، بخصائص عرقية أو دينية أو لغوية تختلف عن خصائص بقية السكان، ويُظهرون، ولو ضمنيا، شعورا بالانتماء يجمعهم معاً.
في المشرق، شرقي البحر المتوسّط، إحدى أهم مشكلات ” المسألة الشرقية”، وقد أنتجت ويلات في العقود الأخيرة في العراق ولبنان وسوريا، وما زالت. وهي تظهر بمظاهر معقّدة، خاصة في كلٍّ من البلدان الثلاثة. هنا نتحدث خصوصاً عن سوريا.
حصل تغيير ديمغرافي لا بأس به خلال سنوات الثورة والحرب الأهلية على بنية سكان سوريا، التي كان أهلها يغازلون تنوّعها بتشبيهها بالفسيفساء. ولم يجرِ أيّ إحصاء فعلي في البلاد يذكر الانتماءات العرقية والقومية والدينية والمذهبية منذ عام 1943 مع نهايات الانتداب الفرنسي. هنالك محاولات أكثر حداثة تقلّ فيها الثقة- كإحصاء 1962 الذي استهدف الكرد في طريقه – بسبب مدى تأثير ذلك في مسار تحوّلات عقلية كلّ فئة وقلقها على قدرتها التنافسية. يمكن الإشارة هنا إلى مصدرين حديثين أحدهما ورد في “كتاب حقائق” المخابرات المركزية الأمريكية منذ ثلاث سنوات، وثانيهما في بحث لمركز الملك فيصل للدراسات والبحوث:
في المصدر الأول ورد أن التركيبة الإثنية المدروسة تعطي أن العرب يشكلون 50% من تعداد السكان (2022 أو العام الذي سبقه)، والعلويين 15%، والكرد 10%، والمشرقيين 10%، وآخرين 15%، ومن الناحية الدينية والطائفية يشكل المسلمون 87%، ومنهم السنة 74% والمسيحيون 10%، والدروز 3%.
وفي المصدر الثاني (يناير 2017) الذي يعتبره كثيرون أكثر ثقةً – في بحث بعنوان” قضية الأقليات في سوريا: من الحظر إلى الوجود الطاغي”- ورد أن معظم التقديرات تشير إلى “أن الأقليات الدينية تشكل ّ نحو ربع السكان، بينما تشكل الأقليات العرقية نحو 13% من السكان؛ أي أن نحو 40% من السكان هم ّ من الأقليات العددية. ويشكل السنة نحو 74% من ّ سكان سوريا، وتشكل الطوائف المسلمة الأخرى نسبة 13% ويشكل الدروز 3% ويمثل المسيحيون بطوائفهم المختلفة بقية السكان”.
لا بدّ أيضاً من الإشارة إلى أنه بكلّ الأحوال، فإن الأقليات السورية مع سكان المدن والطبقة الوسطى والمحافظين المعتدلين، يشكلون أغلبية بالتأكيد، تمثيلها غائب ومهمل. كما يمكن الإشارة هنا كذلك إلى أن عمليات اللجوء والتغيير الديموغرافي منذ بداية العقد الثاني من هذا القرن، أحدثت بدورها شيئاً مهماً على هذه الأرقام لا يمكن احتسابه بدقة، من الأصحّ اعتباره قد استهدف السنّة أكثر من غيرهم، كذلك تَرِد من الأرقام كمية ومجموعات لا تحصى، لا بدّ أن الكثير منها قد تمّ بناؤه “رغبوياً” كما يقال، حسب الجهات الدارسة وهوّياتها.
كانت هنالك بعض الآراء التي تتخوّف بقوة من أن يحدث ما حدث في سوريا مؤخّراً، بل أكثر منه بكثير، ممّا لم يعد ممكناً أيضاً نفي احتمال حدوثه الآن، أو فيما بعد. لكن آراءً أخرى كانت أكثر تفاؤلاً، اعتمدت على وجود موقف دولي قويّ سوف يوفّر حماية للأقلّيات، وقلّلت ذلك الاحتمال. توقّعت الآراء الأخيرة أن يؤدّي ما رآه معظم الباحثين من حياد الأقليات، إلى أن تقوم بدور مهم في التوصل للحلول وللحفاظ على السلم الأهلي. بالطبع كان هنالك استثناء، أو نظرة خاصة للعلويين لما يرونه من حجم مساهمتهم في دعم النظام. وجاء ما حدث للدروز حالياً ليثبت أن النظرة تحمل نسبة مهمة من الخطأ، الذي لا يكفي التدخّل الإسرائيلي لمحوه أو محو آثاره اللاحقة.
وإذا خرجنا من مجال الأقليات الدينية إلى تلك الإثنية أو القومية، تضيف القضية الكردية وزناً حاسماً عملياً إلى ضرورة تخفيف مقاومة طروحات اللامركزية كسمة أساسية من سمات مستقبل سوريا، أو تفريغها من مضامينها الفاعلة، قبل استفحالها وخروجها عن نطاق التسويات.
كاتب سوري موفق نيربية




