آراء ومقالات

وهم السلطة وحقيقة العدل

حسن محمد علي

كثيراً ما يقع من يتصدّرون الحكم في وهمٍ قاتل: يظنون أن مجرد امتلاكهم للسلطة يمنح أقوالهم صفة الحقيقة، وأن الغلبة التي بأيديهم تكفي لتجعل رؤيتهم صواباً مطلقاً. ومن هذا الوهم يولد الاستهزاء بكل فكرة تأتي من خارج دائرتهم، مهما كانت عظيمة أو صادقة، فيُقابل الجديد بالاستخفاف، وتُقابل الدعوة إلى العدل والمساواة بالاتهام والتشويه، وكأن المطالبين بها خطر على الوطن أو تهديد للأمن القومي.

لكن الحقيقة التي يغفلون عنها أن الاستبداد ليس حمايةً للبلاد، بل طريقٌ يقودها نحو التهور والخراب. فالتجارب القريبة والبعيدة أثبتت أن عُقَد السلطة حين تنغلق على ذاتها تفتح على المجتمع جروحاً غائرة: سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وأخلاقية، جروحٌ لا تندمل بسهولة، بل تحتاج عقوداً لتُشفى إن شُفيت.

العدل لا يولد من سلطةٍ متعالية، بل من إصغاءٍ صادق للآخرين، ومن اعتبارهم شركاء في التفكير والإبداع، لا مجرد تابعين أو صامتين. فالآخر ليس جماداً، بل كيان حي، قد يحمل من الحكمة والبصيرة ما يعجز عنه صاحب الكرسي. المغزى الأعمق أن امتلاك السلطة لا يعني امتلاك الحقيقة. قد تصل إلى موقع الحكم بجهد غيرك، أو بصدفة التاريخ، لكن قيمتك الحقيقية تُقاس بقدرتك على الإصغاء، وعلى تحويل السلطة إلى عدل، والهيمنة إلى مشاركة. فذلك وحده ما يصون الأوطان، ويمنح التجارب البشرية معناها ونجاحها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى