آراء ومقالات

من خواكورك إلى الشيخ مقصود والأشرفية: ثبات القضية في مواجهة منطق القوة

سيخلد التاريخ مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية في حلب كما خلدت ملحمة خواكورك في 19 تموز 1988، تلك المحطة المفصلية في تاريخ النضال الكردي، التي واجهت فيها قوات البيشمركة أحد أقوى الجيوش النظامية في المنطقة آنذاك.

لم تكن خواكورك مجرّد مواجهة عسكرية غير متكافئة، بل كانت اختبارًا لإرادة شعب، أكدت أن التفوق في السلاح لا يحسم المعارك حين تكون القضية عادلة، وحين يتحول الدفاع إلى فعل وجودي لا خيار فيه سوى الصمود.

اليوم، وبعد عقود من تلك الملحمة، يعيد الواقع السوري إنتاج المشهد نفسه في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب. فهذان الحيّان، اللذان شكّلا لسنوات نموذجًا للتعايش المجتمعي والاستقرار النسبي، يواجهان اعتداءات متكررة من عصابات مسلحة  تتبع لمنطق الغلبة والهيمنة، في محاولة لفرض إرادتها بالقوة، بعيدًا عن أي شرعية سياسية أو أخلاقية.

 الإرادة في مواجهة فائض العنف

في خواكورك، واجهت البيشمركة آلة عسكرية منظمة، مدججة بالسلاح، لكنها افتقرت إلى ما هو أهم: الإيمان بالقضية. المشهد ذاته يتكرر في الشيخ مقصود والأشرفية، حيث تقف مجموعات محلية محدودة الإمكانات في مواجهة فصائل تمتلك السلاح والدعم، لكنها تفتقر للحاضنة الشعبية ولأي مشروع جامع. هنا، كما هناك، تتحول الإرادة إلى سلاح حاسم، ويغدو الصمود فعل مقاومة بحد ذاته. الدفاع عن المدنيين لا السيطرة عليهم

لم تكن معركة خواكورك هجومًا أو توسعًا، بل دفاعًا عن الأرض والكرامة في وجه سياسات الإبادة والإنكار. واليوم، تتجسد مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية في الدفاع عن المدنيين وحقهم في الحياة الآمنة، في مواجهة محاولات إخضاع الأحياء السكنية بالقصف والترهيب والعقاب الجماعي. هذا الفارق الجوهري يضع الصراع في إطاره الحقيقي: مقاومة تحمي المجتمع في مقابل قوى تستخدم العنف لإخضاعه.

البعد الأخلاقي للصراع

تميّزت ملحمة خواكورك، رغم قسوتها، بانضباط البيشمركة والتزامهم بأخلاقيات القتال، وهو ما منحها شرعية تاريخية وأخلاقية مستمرة حتى اليوم. في المقابل، تكشف الممارسات التي تطال الشيخ مقصود والأشرفية—من استهداف للأحياء السكنية إلى تهديد مباشر للمدنيين، عن طبيعة العصابات المسلحة التي ترى في المجتمع عائقًا لا شريكًا. وهنا، يصبح البعد الأخلاقي عنصرًا فاصلًا في تقييم أي صراع، وليس مجرد تفصيل جانبي.

 المعركة الرمزية وتأثيرها السياسي

كما لم تكن خواكورك نصرًا عسكريًا فقط، بل لحظة مفصلية في الوعي الجمعي الكردي، تتحول مقاومة الشيخ مقصود والأشرفية اليوم إلى رمز سياسي ومعنوي يتجاوز حدود حلب.

فهي رسالة واضحة بأن مشاريع الإخضاع القائمة على السلاح وحده محكوم عليها بالفشل، وأن المجتمعات التي تمتلك إرادة الدفاع عن ذاتها قادرة على كسر معادلات القوة، حتى في أحلك الظروف.

من خواكورك إلى الشيخ مقصود والأشرفية، تتكرر الحقيقة ذاتها: السلاح بلا قضية لا يصنع نصرًا، بينما الإرادة المرتبطة بعدالة القضية قادرة على تغيير موازين الصراع. قد يتأخر النصر، وقد تكون كلفته باهظة، لكنه في نهاية المطاف لا يخذل من يدافع عن حقه في الوجود والكرامة والحرية.

مسعود محمد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى