تحررت سوريا… وبقينا أيضاً دون وطن

طلم تكن لحظة التحرير في سوريا مجرّد تبدّل في الوجوه أو انتقال للسلطة. كانت، في الوعي الجمعي للسوريين، بداية عهدٍ جديدٍ يُعيد إليهم المعنى المفقود: أن يكون الإنسان مواطناً حراً في وطنٍ يحميه ولا يطارده، يسمعه ولا يكمم صوته لكن الحقيقة التي تكشّفت لاحقاً كانت أقسى من الوعود:
تحررت سوريا… وبقينا أيضاً دون وطن.
فالوطن ليس جغرافيا تُستعاد بعد نهاية حكم، ولا نظاماً يُستبدل بآخر، ولا حكومة تضع توقيعها بدل توقيع من رحل. الوطن منظومة قيم وعدالة وانتماء، وحين يغيب هذا المعنى، تصبح الحرية واجهة بلا مضمون، والدولة جسداً بلا روح، والمواطن رقماً في إحصاء لا صوتاً في وطن.
ورغم أن سوريا دخلت مرحلة ما بعد الاســ ــتبداد، ورغم أن حكومة أحمد الشرع حملت على عاتقها وعود الإصلاح والانتقال، إلا أن الكثير من أبناء البلاد شعروا بأن التغيير بقي ناقصاً، وأن عمق الأزمــ ــة أكبر من تغيير الأسماء وتبديل الهياكل.
أين حقوق المكوّنات في سوريا الجديدة؟
منذ عهد الأسدين، عانت مكوّنات المجتمع السوري—قومية كانت أم دينية أم ثقافية—من التهمــ ــيش والقمــ ــع وطمــ ــس الهوية. واستُخدمت هذه المكوّنات مرات كذريعة، ومرات كوسيلة للسيطرة، فيما كانت الحقوق تُمنح حيناً وتُســ ــلب حيناً آخر وفق ميزان السلطة.
وكان من المفترض أن تكون سوريا الجديدة بداية تصحيحٍ تاريخي، لكنّ العديد من أبناء هذه المكوّنات اليوم ما زالوا يسألون:
أين هي حقوقنا؟
هل اعترفت الدولة الجديدة بالتنوّع الثقافي بوصفه ثروة وطنية؟
هل ضُمّنت الحقوق القومية للكرد في الدستور بوضوح لا يقبل التأويل؟
هل استعاد السريان والآشوريون حضورهم الثقافي في مؤسسات الدولة؟
هل حصلت الطــ ــوائف المهــ ــمشة على ضمانات تمنع تكرار الاضــ ــطهاد بأشكاله القديمة؟
حتى الآن، يشعر كثيرون أن التهــ ــميش لم يُرفع بالكامل، وأن القــ ــمع لم يُدفــ ــن تماماً، بل تغيّر شكله فقط.
فما تزال المركزية تُمسك بزمام القرار، وما تزال بعض الحقوق مؤجلة أو مرتبطة بظروف سياسية، وما تزال الذاكرة الجماعية المثقلة بالانتهــ ــاكات بلا اعتراف ولا جبر ضــ ــرر.
حقوق الأكراد… القضية المؤجلة رغم التحرير
لا يمكن الحديث عن حقوق المكوّنات دون التوقف عند القضية الكردية، إحدى أقدم القضايا المؤجلة في سوريا. فالأكراد، الذين يشكلون مكوّناً أصيلاً من نسيج البلاد، عانوا لعقود طويلة من:
● حــ ــرمان لغوي وثقافي ممنهج،
● سياسات تعريب قســ ــرية،
● منع ممارسة الهوية القومية،
● إقصــ ــاء سياسي واسع،
● ممارسات ســ ــلب الجنسية (المجرّدين من الجنسية / الأجانب) التي طالت عشرات الآلاف.
وبعد التحرير، كان يُفترض أن تشكّل هذه اللحظة فرصة لبناء علاقة جديدة بين الدولة والمكوّن الكردي، تقوم على الاعتراف والشراكة. لكن الواقع ما زال مضــ ــطرباً، فالدستور الجديد لم يحسم بعد حقوق التعليم باللغة الكردية، ولا اللامركزية، ولا الاعتراف الواضح بكرد سوريا كشركاء في الوطن، لا كمجرد مكوّن يُذكَر عند الحاجة.
إنّ تجاهل حقوق الأكراد لا يصنع دولة، بل يعيد إنتاج الأزمــ ــة. فسوريا الجديدة لا يمكن أن تقوم على إنــ ــكار هوية ملايين من أبنائها، بل على الاعتراف الكامل بهم، بلغتهم، وثقافتهم، وحقهم في المشاركة السياسية وإدارة شؤونهم بكرامة.
حكومة أحمد الشرع… والامتحان الأصعب
دخلت حكومة أحمد الشرع مرحلة ما بعد التحرير بوصفها حكومة انتقال ومسؤولية تاريخية: مسؤولية إزالة إرث القــ ــمع، وتحقيق العدالة، وفتح الطريق أمام مصالحة وطنية شاملة. غير أن الطريق لا يزال طويلاً، لأن العدالة الانتقالية ليست بروتــ ــوكولاً سياسياً، بل عملية شجاعة تتطلب مواجهة الماضي بكل ثقله.
فمن دون محاسبة واضحة، ومن دون ضمانات دستورية لحقوق جميع المكوّنات، ومن دون شراكة حقيقية في صنع المستقبل، ستظل سوريا الجديدة نسخة محسّنة من سوريا القديمة، لا أكثر.
تحرير الأرض لا يكفي… لا بد من تحرير الإنسان
الأرض تحررت، لكن الإنسان لم يتحرر بعد من الخوف، من الصمت، من الذاكرة المحروقة.
التحرير الحقيقي يبدأ حين يشعر الفرد—أيّاً كان انتماؤه—أنه في وطنه، وأن هويته ليست عبئاً، وأن حقوقه مصانة لا عبر وعود سياسية بل عبر نصوص دستورية ومؤسسات عادلة.
ولن يكتمل التحرير قبل أن يُبنى الوطن على أساس المساواة، والاعتراف المتبادل، والشراكة بين جميع المكوّنات، والعدالة التي لا تستثني أحداً، والهوية السورية الجامعة التي لا تلغي التنوع بل تحتضنه.
ويبقى السؤال المركزي معلّقاً فوق الخارطة السورية:
هل نريد سوريا جديدة حقاً… أم نسخة جديدة من الماضي؟
فالوطن لا يولد من سقوط نظام، بل من قيامة شعب.
وفي انتظار هذه القيامة، تبقى الحقيقة كما هي:
تحررت سوريا… وبقينا نحن أيضاً دون وطن.
دكتور خالد جبر




