آراء ومقالات

من التنافر إلى التوافق: بوابة الخلاص الوطني

في هذا المنعطف الحاسم من تاريخ سوريا، لم يعد أمام القوى الوطنية والديمقراطية سوى خيارٍ واحدٍ لإنقاذ الوطن: خيار التوافق والحوار. فالتناحر لا يلد إلا الفراغ، والفراغ تملؤه قوى لا ترى في سوريا سوى ميداناً لمصالحها. لقد آن الأوان لتجاوز منطق الاصطفافات والانقسامات، والانطلاق نحو مشروع وطني جامع يؤمن بالتنوع ويصونه، ويجمع الجهود حول هدفٍ واحد: مستقبلٍ سوريٍ حرٍّ وعادلٍ لكل أبنائه. إنّ معركة المرحلة ليست في محاسبة الماضي ولا في إثبات من كان على صوابٍ أو خطأ، بل في ماذا يمكن أن نصنع معاً للمستقبل. فاستنزاف الوقت في صراعاتٍ قديمة هو خدمةٌ مجانية لكل من يريد إبقاء السوريين أسرى انقساماتهم. المطلوب اليوم أن نرتقي بالرؤية، نبدع في الوسائل، ونتعاون في الأهداف، لأن من يتأخر عن روح المرحلة، سيفقد مكانه فيها، وسيتولى الآخرون صياغتها وفق مصالحهم. إنّ هذه المرحلة تتطلب الاحتواء لا الإقصاء، والفهم لا الاتهام. فالوطن لا يُبنى على الشكوك والتشهير، بل على الثقة والمسؤولية المشتركة. وسوريا لن تستعيد عافيتها إلا بعقلٍ جامعٍ يتّسع لكل مكوّناتها: كرداً وعرباً وسرياناً وآشوريين وتركماناً وغيرهم، وبإيمانٍ راسخٍ بأنّ الاختلاف مصدرُ غنى لا سببُ فرقة. حين نُغلّب روح التفاهم على روح العناد، ونضع المستقبل فوق جراح الماضي، سنكون قادرين على توجيه سفينة الوطن وسط العواصف نحو شاطئ الأمان. فالتوافق ليس مناورة سياسية، بل شرطٌ للوجود الوطني ذاته؛ ومن يعجز عن إدراك هذه الحقيقة سيجد نفسه خارج التاريخ، بينما الآخرون يصنعونه.

حسن محمد علي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى