جذور الكراهية : كيف يتحول الصراع السياسي إلى عداء عرقي في الإعلام

في خضم التعقيدات الجيوسياسية والنزاعات المسلحة تبرز ظاهرة خطيرة تتجاوز ساحات القتال إلى الفضاء الافتراضي والخطاب العام ،حيث تحوّل الصراع إلى موجات عارمة من الكراهية العنصرية المُمنهجة، تُستهدف فيها هوياتٌ كاملةٌ بوصفها كتلاً متجانسة في عملية اختزال تُغيّب كل التعقيدات، وتُسقط اللوم الجماعي على شعوب بأكملها.
هذه الظاهرة ليست جديدة في المنطقة لكنها تتخذ أشكالاً أشدَّ عنفاً في عصر الوسائط الرقمية ،حيث تُضخّم الخطابات المتطرفة وتنتشر بسرعة مخيفة.
يُذكر إن للعنصرية تاريخ طويل في منطقتنا وغالباً ما تمّ توظيفه سياسياً من قبل النظامين المتعاقبين البعثي والجهادي المقيتين باستخدام خطاب الآخر الداخلي كأداة لتعزيز الولاء وتوجيه الغضب الشعبي وتحقيق الإلتفاف حول سلطتها وخاصة في وقت الأزمات ليسهل لها العودة إلى هذا المخزون من الأحكام المسبقة،وليتم تقديم مجموعة عرقية أو دينية على أخرى كعامل تخريب أو تخوين بالجملة أو وكيل أجنبي، هذه الآلية لا تبرر الكراهية لكنها تفسر كيف يمكن لصراع على السلطة أو الأرض أن يتحول بسرعة إلى حملة تحريض جماعي، فالجذور التاريخية المغروسة في عقول الفئات المشبعة بالأنا والرافضة للآخر ولدت فيهم إرث الاستعلاء والرغبة في إهانة المختلف وإلغائه.
يتجلى هذا الإرث الممنهج الفاسد بوضوح في الخطاب ضد الشعب الكوردي الذي عانى لعقود من سياسات قمعية تتراوح بين إنكار الهوية القومية الثقافية واللغوية ومحاولات الطمس الديموغرافي الممنهج، وما يلفت النظر هو استمرارية الآلة الدعائية ذاتها في تصوير شعبنا الكوردي كـخطر داخلي فيغذون النعرات ويؤججون الشعارات القومية الشوفينية والعنصرية الحاقدة ويلبسونها اطراً دينية أو وطنية ضيقة بينما يبقى الجوهر الإقصائي والتحريضي كما هو ليساهموا في خلق الظروف المعيشية المأساوية والإحباط العميق من المستقبل، والشعور بالعجز والجهل هذه الجماعات المتسلقة تبحث عن مخارج لأزماتها المعقدة ،وهنا تقدم الخطابات العنصرية حلاً سهلًا بغية تحديد عدو واضح وملموس تقبله السلطة بدلاً من العدو الحقيقي الذي تستجدي منه في الغرف المغلقة عن ضمانات تحقق لها الاستدامة والنجاح في البقاء في كراسيها بينما يصبح الآخر كبش فداء ويتحمل عبء كل الإخفاقات والتباينات والصفقات.
هذه العملية النفسية – الاجتماعية تُستغل ببراعة من قبل بعض الأطراف السياسية والإعلامية التي هي أبواق للسلطة وداعمة لها،لتحويل الانتباه عن الأسباب العميقة للأزمات وتعبئة المشاعر بدلاً من العقول لتُكون سيكولوجيا الحشد ضد الضحية، وهنا تظهر الكارثة الأخلاقية وغالباً ما تركز هذه الحشود على تشويه الأطر الثقافية للشعب الكوردي فيتم تجاهل تاريخه وتراثه الغني، واستبداله بصورة مختزلة فتظهره إما كمقاتل همجي أو كأداة بيد قوى خارجية مما يجرده من إنسانيته وشرعيته كساكن أصيل، كما تشوه مطالبته بالاعتراف الدستوري بخصوصيته القومية والاعتراف بالتنوع على كامل الأرض السورية والقبول باللامركزية والتي يمكن أن تكون جزءاً من حل سياسي شامل، وتصوره على أنها خيانة أو رغبة في الانفصال محولةً النقاش السياسي إلى صراع هويات بدائية تلعب المنصات الرقمية دوراً مزدوجاً فيه، فهي من ناحية تتيح مساحة للتواصل والمقاومة ومن ناحية أخرى تُصمم خوارزمياتها لتعزيز المحتوى المثير لأنه ببساطة يحقق تفاعلاً وتأثيراً أشد في الخطاب العنصري فيحدث فقاعات تصادمية حيث يعيش المستخدم في بيئة تعكس تحيزاته فقط ويُعاد تغذيته بمحتوى متطرف ينتج عن ذلك تجزيء للمجتمع الافتراضي، وتعميق للهوة وفقدانٍ لأي أرضية مشتركة للحوار وتظهر العنتريات وخطابات التكفير والتهديد والتحريض
في الحملات الموجهة ضد الكرد، وتتخذ هذه التكتيكات الرقمية أشكالاً محددة مثل نشر خرائط ديموغرافية عنصرية تطالب بتهجيرهم أو إنشاء حسابات وهمية تذيع أخبار مجازر مفبركة أو شائعات مسممة بهدف إثارة الذعر والكراهية العرقية.
لقد أصبح تعرض المستخدمين في بعض الفقاعات الرقمية لمثل هذا المحتوى المُحرِّض أمراً روتينياً لدى كثيرين،حيث تشير بعض التقارير إلى أن نسبة كبيرة تتجاوز 40% من المحتوى الموجه في سياقات صراع معينة يحمل خطاب كراهية وإحدى أكثر الظواهر إثارة للاشمئزاز والدراسة معاً هي مرونة الخطاب لدى بعض الأصوات الإعلامية أو السياسية،فقد نرى شخصيات كانت تروج لأبشع خطاب تجييشي تحريضي مقيت ومهين ضد هؤلاء الاشخاص في فترة ما قبل توليهم السلطة تتحول بين ليلة وضحاها إلى مناصرين للنظام الجديد حاملين معهم نفس الأدوات الخطابية العدائية،لكن باتجاه معاكس و ضد هدف جديد هو الشعب الكوردي اليوم وقبله بقية المكونات حسب الحرب التي يعلنها النظام الذي باتوا مؤيدين له ويضربون بسيفه وهذا يكشف أن الكراهية في بعض الحالات ليست عقيدة راسخة بقدر ما هي سلعة سياسية قابلة للتسويق والتعديل حسب المتطلبات، مما يفرغ الصراع من أي مبدأ أخلاقي ويحوله إلى تجارة الدم والكراهية.
في مواجهة هذا الطوفان يصبح الدفاع عن الفرد والإنسانية المشتركة عملاً ثورياً، ومقاومة التعميم والتمسك بالحقيقة الدقيقة والفصل بين المقاتلين والمدنيين وبين الخيار السياسي والهوية الجماعية هي الخطوات الأولى لكسر دائرة الكراهية، والتاريخ يذكر لنا أن موجات التحريض العنصري وإن حققت أهدافاً قصيرة المدى لبعض الأطراف فإنها تترك جراحاً عميقة في نسيج المجتمع تستغرق عقوداً للالتئام.
ولمواجهة هذا الخطاب الموجه ضد الكورد بشكل خاص يجب التركيز على دعم الإعلام المحلي المستقل الذي يعكس تنوع المنطقة ويعزز التوافق والتعايش بدلاً من خطاب التحريض كما أن غياب الأطر القانونية الرادعة والفعالة ضد خطاب الكراهية يعد عائقاً جوهرياً، فالحل السياسي المستدام يمر حتماً عبر اعتراف دستوري وثقافي بالهويةالقومية الكوردية ووجوب ايجاد تشريعات تحظر التحريض العرقي وتعاقب العاملين عليه، والأهم أن هذا الخطاب لا يكسب حروباً بل يسمم مستقبل التعايش ويؤدي إلى انسحاب مكون بشري كامل من الثقة بالمشترك الوطني ويحول طاقاتها من البناء إلى صراع على البقاء، مما يفقده توازنه وإمكانية ازدهاره.
إن الكتابة عن هذا الموضوع وتسمية الظاهرة وتحليل آلياتها هو شكل من أشكال المقاومة إنه تذكير بأن الحرب الحقيقية هي ضد هذا التفكير الإقصائي الذي يهدد مستقبل الجميع بغض النظر عن هويتهم،ولا يكفي إدانة العنف العسكري بل يجب إدانة العنف الكامن في الكلمات ومدلولاتها التي تمهد للحروب وتبرر لها.
بهرين اوسو




