اللامركزية بين سوء الفهم وضرورات الدولة السورية الجديدة وتصريحات توم براك

في خضم الجدل المتصاعد حول شكل الدولة السورية القادمة، يتكرر بصوت مرتفع ادعاءٌ مفاده أن اللامركزية لم تنجح في الشرق الأوسط، وبالتالي فهي غير صالحة لسوريا. هذا الادعاء يبدو للوهلة الأولى منطقيًا، لكنه سرعان ما يتهاوى أمام مراجعة دقيقة للتجارب السياسية في المنطقة.
فإذا كانت المنطقة قد عانت من انهيار الدولة وتآكل مؤسساتها وتصاعد النزاعات، فإن السؤال الحقيقي ليس عن فشل اللامركزية، بل عن فشل النظم المركزية التي احتكرت السلطة لعقود.
إن تحميل اللامركزية وزر غيابها هو مفارقة لافتة، إذ نحاكم فكرة لم تُمنح يومًا فرصةً جدية للنمو والتطبيق، بينما نتغاضى عن نموذج ثبت إخفاقه مرارًا. ومن هنا، يصبح النقاش حول مستقبل الحكم في سوريا ليس مجرد خيار إداري، بل سؤالًا جوهريًا يتعلق بطبيعة العقد الاجتماعي الجديد وبنية الدولة التي ستولد من رحم الأزمة.
عندما يُقال إن اللامركزية لم تنجح في الشرق الأوسط، فنحن أمام استنتاج متعجل يتجاهل جذور الأزمة السياسية في المنطقة.
فما فشل في المنطقة ليس اللامركزية، بل على العكس تمامًا، النموذج المركزي الصارم الذي احتكر الدولة، وأقصى المجتمع، وخلق الهشاشة التي نراها اليوم.
ثمّة حقيقة مغفلة في النقاش الدائر: ما يسمّى “تجارب لامركزية” في الشرق الأوسط لم يكن يومًا لامركزية بالمعنى المؤسسي المعترف به؛
لقد كانت صلاحيات شكلية بلا تفويض دستوري أو قدرة فعلية على اتخاذ القرار.
أي أننا نحاكم نموذجًا لم يُطبَّق، ونصف فكرة بالفشل قبل أن تُمنح فرصة للتشكل.
أما في السياق السوري، فلدينا تجربة عملية تدحض هذا الادعاء؛
تجربة الإدارة الذاتية ومجالسها المحلية في شمال وشرق سوريا، رغم قيود الحرب والحصار وغياب الاعتراف، حققت استقرارًا خدماتيًا وأمنيًا ومشاركة مجتمعية فشلت المؤسسات المركزية في تحقيقه لعقود.
هذه التجربة ليست مكتملة، لكنها دليل على أن المجتمع السوري يتفاعل إيجابيًا مع الحكم المحلي حين تتاح له الأدوات.
ومن منظور مجلس سوريا الديمقراطية، اللامركزية ليست خيارًا تقنيًا أو شكلاً إداريًا؛
بل هي مسار وطني لإعادة بناء الدولة السورية على أساس الشراكة والتوازن والمواطنة المتساوية.
إنها ضمانة دستورية لمنع عودة الاستبداد، وآلية لتحويل السلطة من امتياز فوقي إلى عقد شراكة بين السوريين.
إن قراءة التجربة السورية بعين منصفة تقود إلى استنتاج واضح:
إذا كانت المركزية قد أخفقت في إدارة البلاد، وإذا كانت اللامركزية لم تحصل على تجربة عادلة للحكم عليها، وإذا كانت التجربة العملية تشير إلى إمكانية نجاحها؛
فمن الخطأ — علميًا وسياسيًا — اعتبارها غير مناسبة لسوريا.
اللامركزية ليست تهديدًا لوحدة الدولة، بل شرطًا لبقائها واستقرارها.
إن مستقبل سوريا سيرتبط بقدرتها على صياغة نظام لامركزي ديمقراطي تشاركي، يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويطلق طاقات السوريين لبناء وطنهم بدل انتظار قرار مركزي عاجز أو متردد.
وبالتالي، فإن المنهج الواقعي يقول بوضوح:
ليس السؤال هل تنجح اللامركزية؟
بل متى وكيف ستصبح الإطار الضروري لسوريا الجديدة؟
حسن محمد علي



