آراء ومقالات

المرأة السورية بين التحدّي والصمت

عبير رومية

ستبقى قضية المرأة السورية واحدة من أهم الموضوعات التي لا يجوز لنا التوقف عن الحديث فيها. فالمرأة السورية تحمل قضيتين كبيرتين في وقت واحد: قضية السوري، وقضية المرأة

في البداية، تحسن الإشارة إلى وضع المرأة في المجتمعات المختلفة بشكل عام، هل تعيش ضمن مجتمعها وكأنها قضاء وقدر، أم هي دوماً مقموعة. حالها هذا كحال نساءٍ عديداتٍ في مجتمعنا العربي. وكما هو متعارف عليه لدى الجميع المرأة تملك بطبيعتها، أنثى، مقدرات شتى يتجلى أثرها في مجالات كثيرة عنصراً أساسياً وفعّالاً في بناء المجتمعات على مر العصور، وفي جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية”.

تجلّى قدر المرأة هذا عبر الزمن في أشكال دونية متعدّدة، لم ينصفها ولم يمنحها قدراً من الوجود والتغيير الحقيقي لكينونتها، وهذا ما عبّرت عنه أمثال شعبية قديمة: “البنت بتجيب العار والمعيار، وبتدخل العدو للدار”. حكايات متعدّدة كتبت أم بقيت شفهية، نجدها في أدبنا وفي آداب أخرى وأزمنة وأمكنة مختلفة وفي ثقافاتٍ شتى، كما نجد أثرها في المثيولوجيا وقصص ألف ليلة وليلة، وفي الملاحم والسير وفي حكاياتنا الشعبية. 
فهل في خضم هذا الفكر المتوازن عن المرأة، هل بالإمكان وجود حياة موازية للرجل يعيد إلى النساء دورهن الفعال في ظل تسارع التكنولوجيا والتطور وتفاقم الأزمات والحروب، هل بإمكانها الصمود أمام دورها الأنثوي ودورها في التصدّي لجحافل الضغوط والتحدّيات لترسو سفينتها بأمان أمام شواطئ أحلامها العائلية والمهنية، وتبني جيلاً يتناسب مع ما تطمح إليه من استقرار ونمو وازدهار انطلاقا من أسرتها الصغيرة التي هي كنزها الدفين؟

هل النساء العائدات من الحروب كانوا المؤسسون لبلادهم أحراراً في الغالب وأساتذة مستقلين في مهنتهم؟

بسالة المرأة السورية

ما هو حال المرأة السورية إذا في ظل هذا التحدّي؟ منذ بداية الأزمة السورية وحتى زوال النظام البائد، كم من الأسرار تختبئ في جدران كل منزل سوري، وكم من ألم حملت ثقله المرأة السورية وحدها، فكانت المرآة المظلمة للحرب، بما فيها من معاناة وألم وتأمين للقمة العيش، كيف سنزيل هذا الظلام الذي خيم على حياتها فهي في كل مرّة مطالبةٌ بالوقوف والصمود لمواجهة تحديات إضافية اتقاءً لنتائج كارثية محتملة، فهي، في النهاية، لن تكون وفية إلا لروح أنوثتها وسر وجودها. تراها تقف كي تستعيد ذاتها ضمن مجتمع لا يعترف إلا بقمعها، تحاول إيجاد التوازن، وتبقى قادرة على الشفاء وتهدئة كل الصخب من حولها أمام كينونتها الدنيوية والإيمانية تحت رماد الحرب، وهنا يقف العالم مذهولاً أمام عظمة المرأة السورية. والتي تحوّلت إلى امرأة ورجل، وأم وأب، وربة منزل وعاملة، مناضلة وحنون، جمعت كل المتناقضات في داخلها، وواجهت العالم والنظام ببسالةٍ لا يوزايها ولا يضاهيها شيء. لم يتخيّل أحد أن بناء ما يحترق وأن أحلاماً تتلاشى أمام عينيها يمكن أن يصنع في تلك المرأة تحدّيا” على البناء والصمود، ويولد طموحاً لا ينتهي أثار ذهولاً أمام جميع المجتمعات.
ضمنت دول علمانية كثيرة حقوق المرأة، فقد جاء في دستور فرنسا التي لها تاريخ طويل بدءاً منذ ثورتها 1789 إن “جميع المواطنين متساوون أمام القانون مهما كان أصلهم أو عرفهم أو دينهم”. ولكن القرن الحادي والعشرون قدّم تحديات جديدة لم تكن متوقعة في أثناء أزمة اللاجئين في أوروبا منذ عام 2015، حيث وجد الغرب نفسه غارقا في فيضان اللاجئين. النقطة المهمّة: ماذا قُدم للمرأة في ظل هذا كله، عندما وجدت حاجة للطعام أو السكن أو العمل والكثير من المخاطر؟ هل النساء العائدات من الحروب كانوا المؤسسون لبلادهم أحراراً في الغالب وأساتذة مستقلين في مهنتهم؟. هل يتنافس أثرياء مسلمون للتقدم على بعضهم بعضاً من أجل تقديم أوقاف نقية (والوقف كما هو متعارف عليه: هو نوع من التبرّع الديني المعفى من الضريبة في الشريعة الإسلامية).
 وكما نذكر اتسم المزاج العام بعد الحملة الصليبية الأولى في أوروبا بالحماس الديني، ومن هنا نبع الاندفاع إلى بناء الكنائس الذي استقر في العالم المسيحي، فهل أخذت الأوقاف أو الكنائس دوراً في إيجاد ملاذٍ آمنٍ للمرأة ومساندتها عبر الجمعيات الخيرية لمواجهة تحدّيات الحروب والفقر والعوز. 
غريزياً، نلاحظ أن جميع اللاجئين والمبعدين عن أوطانهم يسعون إلى إعادة إنتاج ما أجبروا على تركه، إنها غريزة متأصّلة بعمق منذ تكوين مجتمع جديد يسعى إلى ترميم نفسه أو إعادة تشكيله. ففي لندن مثلا، يسكن القبارصة الأتراك مع بعضهم بعضاً في منطقة غرين لينز (Green Lanes)، والبرتغاليون في ستكويل (Stockwell)، والكاريبيون في بريكستون (Brixton)، تفتح محلات بيع المأكولات تليها المطاعم،… إلخ.

تبدأ سورية اليوم معركة البناء، وإزالة آثار الحرب، ولن يستطيع حمل هذا العبء والتصدي لهذه المهمة التاريخية، سوى المرأة السورية

البناء الجديد

هكذا كان حال اللاجئين السوريين، وكان على المرأة أن تقوم بالعبء الأكبر لهذا كله، ولذلك لا بد أن يكون لها دور أساسي في بناء مجتمع خالٍ من رواسب الحرب، بما خلفته من كوارث اجتماعية واقتصادية وإنسانية وثقافية وأسرية، لا بد من وضعها موضع الثقة وإعادة تأهيلها وإعطائها الفرصة المناسبة، لا أن تركب في موجة تقليدية لا تحصد منها سوى التكرار والنتائج السلبية. فهل قوة التقاليد التي تمتد منذ مئات السنين في التاريخ تقف صخرة صلبة في وجه إعطاء المرأة وجودها الحيوي والبنيوي والفكري أساساً قوياً في بناء مجتمعها. وكما قال الشاعر حافظ ابراهيم: “الأم مدرسةً إذا أعددتها، أعددت شعبا طيب الأعراق”.
هل هناك نافذة يمكن رؤيتها قريباً في سورية الجديدة، كي تزيل فقاعة التهميش لدور المرأة هنا وهناك؟… يبدو أن الحل الوحيد في هذه المرحلة أن تأخذ المرأة دورها في جميع المجالات لترسم ضماناً للمستقبل بأجيال واعية، فنحن لا نريد للغرب أن ينظر إلينا بمنظور فيلم كرتوني اسمه علاء الدين، أو عندما يقول مدير شركة عالمية “إنك أيها المسلم من حضارة منحلة”، أو أن يكون شخص ما بلا وطن ويحصل على جنسية قوى عظمى أرسلت جيوشها لتحارب إخوته.
المرأة قادرة على فعل ذلك حالياً، فالهياج الذي شهدته سورية عبر السنوات السابقة من محن لا يمثل مجرد خطر على الفرد وبنائه وإعادة تأهيله، بل هو خطر أيضا على دور المرأة في إعادة هيكلة المجتمع وإعادة بنائه بما يتناسب مع كرامتها ووجودها ودورها الحقيقي في بناء أسرتها والمجتمع، فالمرحلة المقبلة يجب أن تكون ذهبية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالتحرّر من أفكار بالية تقليدية اسهل من تأويل الدين لتشويه صورة المرأة…
ففي ذاكرة التاريخ كثير من جرائم الشرف والختان، وهكذا أصبح كل خبر عن قتل سيدة أو فتاة في أي بقعة في الأرض على يد أب او زوج، أخ أو أبن، أو حتى عشيق غيور يتقدّم في نشرات الأخبار. 
فإذا أردنا ان نفهم واقع الدول وما يدور فيها من صراعات على المساحة الدولية، علينا أن نفهم أن على كل دولة أن تراعي مصالحها وتتصرّف من منطق المصلحة القومية، ولذلك يجب أن نراعي في بناء مجتمعنا مصلحتنا أيضاً، وأهمية دور المرأة الفعال في بناء هذا الجسد السوري، فلا بد من تفعيله.
ولأن أمن سورية مصلحة قومية وتوفير الغذاء والدواء ومتطلبات العيش مصلحة قومية، وتوفير مصادر الطاقة أيضا مصلحة قومية، فالاقتصاد قوة والاختراعات قوة والتقدم العلمي قوة. لذلك كله، دعونا ندعم المرأة السورية في كل تلك المجالات، ونتعلم منها كيف تنظر إلى الحياة بإيجابية، حتى لو أنها هجرت من منزلها أو أصبحت لاجئة في بلد ما، أو أجبرت على تعلم لغة جديدة في مكانٍ ما، أو تحمل هوية أخرى جديدة، فكل الثقافات عبر التاريخ ممزوجة ببعضها بعضاً لتكون موسيقى وطعاماً ولهجةً وعادات وتقاليد واحتفالات، إلا أنها جميعها تتقاطع مع دور المرأة الذي لا يمكن محوُه أو إطفاء نوره، ففي النهاية، لا يمكن تحقيق التوازن في أي مجتمع من دون المرأة.
تبدأ سورية اليوم معركة البناء، وإزالة آثار الحرب، ولن يستطيع حمل هذا العبء والتصدّي لهذه المهمّة التاريخية، سوى المرأة السورية، بعد أن أثبتت بالتجربة القاسية قدرتها وأهليّتها. وكما فعلت نساء شعوب أخرى بعد خروجها من أزمات وحروب، ستفعل المرأة السورية، وستحمل المعول وستبني، فيما تربي أبناءها، الجيل التالي الذي سيحمل البلاد إلى برّ الأمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى