بلدة بريف السويداء تحاول استعادة ايقاع الحياة بعد أشهر من المعاناة

بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على موجة العنف التي اجتاحت السويداء، تحاول بلدة المجدل في ريفها الغربي استعادة إيقاع الحياة شيئاً فشيئاً، إلا أن الدمار والعنف اللذين شهدتهما البلدة يؤخران إعادة الخدمات إلى ما كانت عليه سابقاً.
ورغم قسوة الظروف المعيشية وانعدام الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه واتصالات، يحاول سكان المجدل التكيف مع الواقع الصعب.
منازل محروقة وغياب الخدمات
يصف أنس حسام السلمان، وهو من سكان المجدل، المشهد عقب الهجوم قائلاً لـنورث برس: “تعرضنا لهجوم في 17 تموز/يوليو، واضطررنا لمغادرة البلدة يومين بسبب شدة القصف. وعند عودتنا وجدنا أكثر من نصف المنازل محروقة. منزلي يقع عند مدخل البلدة، ولا أستطيع الوصول إليه الآن بسبب إطلاق النار المستمر وخرق الهدنة. أعيش منذ أكثر من شهرين في منزل جدي، ولن أغادر بلدي مهما حصل”، بحسب قوله.
ووقعت أحداث العنف في السويداء أواسط تموز/يوليو الفائت، عندما حاول الجيش السوري في البداية السيطرة على المحافظة الجنوبية، قبل أن ينسحب لاحقاً ويُكمل الأمن العام مهمة السيطرة على السويداء. إلا أن الضربات الإسرائيلية، التي امتدت حتى العاصمة دمشق، وردّ الفصائل المحلية في السويداء، أبقيا المشهد على حاله، وظلت المحافظة خارج سيطرة دمشق.
وخلال تلك الفترة، وقعت العديد من الانتهاكات بحق سكان السويداء الذين ينتمي غالبيتهم إلى الطائفة الدرزية. وقالت الحكومة السورية إنها شكلت لجنة تحقيق لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، فيما وصف وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، الأحداث في السويداء بأنها “فخ”.
ويشير السلمان إلى أن الوضع الخدمي “مأساوي”، موضحاً أن بلدة المجدل كانت تضم نحو 40 محلاً تجارياً وأربع صيدليات، “لكن اليوم لا يوجد سوى محل واحد، ولا كهرباء لأن المحولات دُمّرت، ما أدى إلى تأخير عودة السكان. المياه مقطوعة، والخبز لا يتوفر إلا كل ثلاثة أيام، والاتصالات شبه معدومة”، بحسب قوله.
“خروقات يومية”
أما الشيخ داوود هنيدي، وهو من سكان المجدل أيضاً، فيقول إن الهجوم الذي تعرّضت له البلدة كان “همجياً” ونُفّذ من قبل “الأمن العام ومجموعات من العشائر”، مشيراً إلى أن المهاجمين “ارتكبوا جرائم من قتل وسلب وحرق وتهجير”.
وأضاف هنيدي لنورث برس: “بقي عدد قليل من السكان، ثم بدأ الناس بالعودة تدريجياً، لكن الخدمات كانت معدومة تماماً. منزلي يقع بين المزرعة والجامعة والمجدل. الكهرباء بالكاد تصلنا، والعمال يحاولون إصلاحها بجهود بسيطة. نعتمد على بئر واحد يعمل بالطاقة الشمسية لتأمين المياه، بينما الخبز لا يتوفر بشكل منتظم، والمساعدات الإنسانية شبه معدومة، والهلال الأحمر لم يقدّم سوى دعم بسيط جداً”، بحسب قوله.
ورغم الواقع الصعب، يدعو هنيدي السكان إلى العودة “لأنه لا بديل لنا عن بلدنا”، بحسب تعبيره.
بدوره، يقول ناصر العاقل، وهو من أبناء البلدة، إن الفرن المحلي “عاد إلى العمل بشكل متقطع”، موضحاً أن السكان “يؤمّنون حاجاتهم الأساسية من المحل الوحيد الموجود كل يومين أو ثلاثة أيام”، ويختم قائلاً لنورث برس: “الوضع المعيشي صعب جداً، لكننا باقون هنا”.
دعوات لإعادة التأهيل
من جهته، يشير باسل عريج، وهو من سكان البلدة، إلى أن انعدام المواد داخل البلدة يدفع السكان إلى التوجه يومياً إلى مدينة السويداء لتأمين احتياجاتهم.
ويعتبر عريج أن الأولوية اليوم هي لإعادة تأهيل المدرسة الابتدائية في البلدة، مشيراً إلى وجود أكثر من 116 طالباً فيها: “ذهاب الأطفال إلى مدارس خارج البلدة يكلّف العائلة نحو 20 ألف ليرة يومياً كأجرة مواصلات، وهو عبء كبير على ذوي التلاميذ”.
وإلى جانب اللجنة الحكومية للتحقيق، هناك أيضاً “اللجنة القانونية العليا” التي شكلتها الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في السويداء لإدارة شؤون المحافظة، بما في ذلك الجوانب الخدمية والقانونية والأمنية.
ومع ضبابية المشهد حيال العلاقة بين دمشق والسويداء، ومصير مرتكبي الانتهاكات وآليات تعويض الضحايا، يبقى الواقع المعيشي في المحافظة الجنوبية صعباً، فيما تظل إعادة الخدمات وتأهيل البنية التحتية أولوية ملحّة لأي تدخل قادم.
ويأمل السكان أن تشهد المرحلة المقبلة تحركاً جدياً لإعادة الخدمات وتأهيل البنية التحتية في بلداتهم، ليتمكنوا أخيراً من استعادة حياتهم الطبيعية بعد شهور من العنف والدمار.
هارون عربيد – السويداء




