هونركها ولات” والاحتفاء بالهوية الكردية

بينما يتجه الفن العالمي نحو محو الهوية القومية.. يقاوم محمود برازي وفريق “هونركها ولات” ويفعلون العكس تماماً.. إنهم يعززون الهوية.
أعمالهم احتفاء أنيق هادئ بالهوية الكردية بأسلوب جريء يجمع بين الحنين إلى الماضي والحداثة في لحظة واحدة.
أغانيهم ومشاهدهم وقصصهم، تشعرك بأن التراث ليس خصماً للفن، بل هو في حوارٍ دائم معه. وكلٌّ منهما يحتفي بالآخر ويرفع من شأنه.
موسيقاهم، أزياؤهم، ألوانهم ومشاهدهم للحياة في روج آفا ليست لإضفاء الجمالية أو التزيين، بل هي إعلان أننا هنا، عشنا هنا، وسنبقى هنا.
أعمالهم تدفع الكردي لأن يفتخر بكرديته، فخرٌ نبيل صحي لا يقوم على العنصرية أو التعصب، بل على الوعي والاحتفاء بالهوية.
لمحمود برازي ورفاقه قدرة فريدة على الذهاب إلى رفوف التاريخ واستخراج الأغاني والقصص التي كانت يوماً الأكثر تداولاً، ينفضون عنها غبار التاريخ وتراب ما يسمى “بالفن الحديث” ويعيدون ولادتها من جديد وتكون النتيجة مزيج يحمل قيم الماضي ويتكلم لغة الحاضر.
لا يقتصر عمل الفريق على إعادة إنجاب هذه الأغاني من جديد وتزيينها بإيقاعات حديثة مع الاحترام الكامل للجذور، هذا الفريق يروي القصص عن يومنا هذا بأسلوبه الفريد ويجعل الموسيقى وسيلةً لسرد الحكايات.
بدأت أغنية “شرفانو” للمقاتلات والمقاتلين همساً “تفادياً لأن يسمعهم الأعداء”.. ثم إلى الصراخ بملء روژاڤا: ژن، ژيان آزادي “المرأة، الحياة، الحرية”.
في كل عملٍ يقومون بإنتاجه.. إما رسالةٌ من الحنين أو الفخر المقترن بانتماءٍ صادقٍ للأرض والشعب والوطن.
تعاملهم مع إنتاجهم الفني يتسم بحساسية ووعيٍ عميقين. لا أغانيهم القديمة تراث جامد ينتمي للمتاحف، ولا أغانيهم الجديدة موضة عابرة منقطعة عن الماضي.
الخط الفاصل بين الماضي الجميل والحاضر الحي يمثل معضلة للكثير من الفنانين. معظمهم إما هنا أو هناك. لكن “برازي وهونركها ولات” تمكنوا من الرقص فوق هذا الحبل بكل ثقة، وقاموا بتحويله إلى خط الحياة في أعمالهم.
عبقريتهم تكمن في قدرتهم على تغيير مزاج الجمهور مع أعمالهم. حين يغضبون، تغضب معهم؛ وحين يفرحون، تنتقل إليك عدوى الابتسامة دون أن تشعر.
قليلون هم الفنانون الذين يستطيعون أن ينقلوا مشاعرهم إلى الجمهور بهذه السلاسة. برازي وفرقتُه من القلائل في المشهد الكردي.
في أغنيتهم “لە قامشلۆ لە بەر دەری”، تمتزج ابتسامة قصص الحب اليومية في المدينة بصوتٍ دافئ يقول: لن نبدّل هذه الأرض بالدنيا كلها.
وفي عملٍ آخر، “نازی نێرگزی حەوشي”، قدّموا أداءً بالصوت دون آلات، وكان أصدق ردٍّ كردي على وباء كورونا، وبيّنوا كيف يمكن تحويل العزلة إلى فرصةٍ للإبداع.
بعد كل مشاهدةٍ لعملٍ من أعمالهم، تبقى التفاصيل محفورة في الذاكرة: الأزياء، الألوان، المشاهد، الموسيقى، لتُترك ذاكرة متوهجة ورغبة حقيقية في مشاركة أعمالهم مع من تحب.
لشعبٍ تعرضت هويته للتهميش طيلة عقود من التاريخ الحديث، تُعدّ أعمال “محمود برازي وهونركها ولات” فعلاً يحمي الهوية الكردية ويكرس الفن لتحريرها.
أعمالهم ليست فنونا استعراضية، هي سردية جديدة للهوية الكردية، وللثقة بأنها مازالت حية ومُلهِمة.
إنهم يذكروننا باستمرار بأن هويتنا لم تندثر، ويمكن إحياؤها والاحتفاء بها ورفعها من جديد في هذا العصر.
ولذلك، كل من يحاول طمس الهوية الكردية الحقيقية لمجتمعاتنا، يجد نفسه في مواجهة هذا النوع من الفنّ الخطر على مشاريعه، الفن الذي يُعيد تعريف المجتمع ويبعث الهوية من جديد.
إلى محمود برازى وهونەرگەها وڵات:
شكرًا لكم على ما زرعتموه من اعتزاز بالانتماء.
هيوا محمود عثمان




