تعثرات البلديات في الحسكة… صيانة طرق تُنجز بعد خسارات كبيرة وغياب للشفافية

تواصل بلدية الشعب في مدينة الحسكة تنفيذ خطتها السنوية لصيانة وتأهيل الطرق، حيث باشرت مؤخراً تعبيد شارع المفتي الممتد من دوار الحمامة وصولاً إلى دوار الشهيد سرحد، بطول يصل إلى 480 متراً وعرض 10 أمتار. وتتوزع مراحل العمل على ثلاث خطوات أساسية تبدأ برش مادة MCO لتعزيز تماسك الطبقات، ثم مرحلة التصفير لتسوية السطح، وصولاً إلى فرش المجبول الزفتي الذي يشكل الطبقة النهائية للطريق.
ورغم أهمية الشارع باعتباره أحد أكثر شوارع الحسكة حيوية وازدحاماً لوجود عشرات المحال التجارية على امتداده، فإن هذا المشروع يأتي بعد سلسلة طويلة من الإخفاقات والجدل الشعبي الذي رافق الأعمال السابقة في المكان ذاته.
من البازلت إلى الزفت… قصة فشل لا تزال مفتوحة
قبل مباشرة أعمال التعبيد الجديدة، كانت المنطقة قد شهدت موجة واسعة من السخرية والانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب سوء تنفيذ المشروع السابق الذي اعتمد على الحجر البازلتي. إذ تبيّن أن المتعهد المكلّف من قبل البلدية استخدم حجارة غير مطابقة للمواصفات ولا تتحمل حركة السير الكثيفة، وأجبر البلدية على العودة إلى نقطة الصفر.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تكشّف أيضاً أن أصحاب المحلات في حي المفتي كانوا قد دفعوا مبالغ مالية كبيرة تحت عنوان “رسوم المشاركة في ترميم الشارع”. خمسة من أصحاب المحلات أكدوا لراديو آرتا أن البلدية طلبت منهم أكثر من 400 دولار لكل محل حسب قياس الواجهة، دفع منها البعض 150 دولاراً مقدماً، بينما طُلب من محلات أكبر مبالغ تجاوزت 2000 دولار. ومع فشل المشروع البازلتي، هل تبخّرت تلك الأموال بلا نتيجة ولا تعويض ولا حتى اعتذار؟
خسائر مزدوجة… البلدية خَسرت والناس خُذلت
ما جرى في شارع المفتي ليس حالة فردية بل مثال واضح على تراكم التعثرات في عمل البلديات داخل الحسكة وشمال شرق سوريا عموماً.
فالبلديات، رغم جهودها الواضحة في بعض الملفات، ما تزال تعاني من:
سوء اختيار المتعهدين واعتماد أصحاب النفوذ بدلاً من أصحاب الخبرة.
غياب معايير الرقابة على جودة المواد المستخدمة في المشاريع.
انعدام الشفافية المالية، إذ لا يعرف المواطن أين ذهبت أمواله أو لماذا فشل المشروع رغم التمويل.
غياب المحاسبة… لا مسؤول تحاسب، ولا جهة تحقق، ولا توضيحات تقدم للرأي العام.
تعطيل حركة الناس وأرزاقهم لفترات طويلة بسبب مشاريع يعاد تنفيذها مراراً.
هدر مالي مزدوج تتحمله البلدية وتحمّله أيضاً المواطنون عبر الرسوم والجبايات.
نتيجة ذلك، يواجه السكان وضعاً يبدو عبثياً: مشاريع تُدفع تكلفتها مرّتين أو ثلاث، وشوارع تُحفر وتُعاد تعبيدها خلال أشهر قليلة، وأموال تُحصَّل من الناس دون أن يلمسوا أي فائدة من دفعها.
ما الذي تغيّر بعد الخسائر؟
رغم البدء بمرحلة جديدة من التعبيد باستخدام المجبول الزفتي، لا توجد دلائل حقيقية على أن البلديات استفادت من الدروس السابقة. فلا توجد تصريحات رسمية حول سبب فشل المشروع البازلتي، ولا أسماء المتسببين، ولا خطة واضحة لمنع تكرار التجربة، ولا حتى أي التزام بإعادة الأموال أو تحميل المتعهد الخاسر مسؤولية ما جرى.
اللافت أن المشروع الجديد يُقدّم بوصفه “استكمالاً لخطة الصيانة”، بينما هو في الواقع إعادة إصلاح لخطأ مكلف سبّبته البلدية نفسها أو الجهات التي تعمل معها. والأخطر من ذلك هو استمرار ثقافة اللامساءلة التي تسمح بتكرار نفس الأخطاء على حساب المال العام ومال الناس.
الحسكة تحتاج أكثر من تعبيد الطرق… تحتاج إصلاح عقلية الإدارة
الناس في الحسكة، مثل باقي مدن شمال شرق سوريا، لا يطالبون بالمستحيل. هم يريدون فقط خدمات محترمة، شفافة، ومنفذة بمعايير واضحة. يريدون بلدية تخبرهم كيف يُنفق المال، ولماذا فشل مشروع، ومن يتحمل المسؤولية.
الناس يريدون أن يشعروا بأن أموالهم ليست مجرد “مورد إضافي” تستطيع البلدية تحصيله دون حسيب أو رقيب.
فالمشاريع الخدمية ليست مجرد طبقة زفت على الأرض، بل مؤشر مباشر على جدية الإدارة وكفاءتها واحترامها للناس. وإذا لم تتغير طريقة التفكير والرقابة والمحاسبة، فإن أي مشروع جديد سيبقى مجرد محاولة لتجميل نتائج قديمة لا تزال تقف خلفها أسئلة بلا إجابات.
سارا عبد الرحمن



