ضحايا أم جناة … انقسام حول مصير المقاتلين العراقيين في السجون السورية

عمر عبد الرحمن – دير الزور
في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها سوريا، يطفو على السطح ملف بالغ التعقيد والإثارة، هو ملف المقاتلين العراقيين المحتجزين في السجون السورية.
هؤلاء الذين قدموا من العراق للقتال إلى جانب الفصائل الموالية لإيران خلال سنوات الحرب، وجدوا أنفسهم اليوم خلف القضبان، عالقين بين حكومتين ومصالح إقليمية متشابكة.
من ساحات القتال إلى زنازين مجهولة
تشير المعلومات الميدانية إلى أن غالبية هؤلاء المقاتلين دخلوا الأراضي السورية بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني، ضمن استراتيجية تهدف إلى تعزيز مواقع النظام السوري عسكرياً. ومع تبدل موازين القوى ووصول حكومة جديدة إلى الحكم، تغيرت المعادلة جذرياً، ليتحول المقاتلون العراقيون من حلفاء لدمشق إلى أسرى لديها.
يقول علي العلي، وهو اسم مستعار لمقاتل سوري سابق في صفوف الفصائل الإيرانية بمدينة دير الزور، في حديثه لنورث برس: “عندما بدأت المعارك في دير الزور، كنا نقاتل جنباً إلى جنب مع مجموعات من المقاتلين العراقيين المدعومين من إيران، الذين كانوا ينتمون إلى فصائل تابعة لحزب الله العراقي. كانت هناك علاقة تعاون في البداية، لكن مع تطور الأحداث بدأت تظهر المطامع والأهداف الحقيقية لهم في الأراضي السورية”.
ويضيف العلي: “كانت العلاقة معقدة؛ فهم جاؤوا من العراق لدعمنا، إلا أن ولاءاتهم كانت متناقضة. كنا نقاتل من أجل سوريا، بينما الكثير منهم كان يقاتل ضمن أجندة مختلفة تحركها إيران. بعد سقوط النظام، لم يتمكن معظمهم من العودة إلى العراق، وانتهى بهم المطاف في السجون. تم الإفراج عن بعضهم بعد تسويات، لكن غالبيتهم ما زالوا يعيشون ظروفًا قاسية خلف القضبان”، بحسب قوله.
شهادات من خلف القضبان
من جانبه، يروي حيدر العثمان، وهو مقاتل عراقي من بلدة القائم أفرج عنه مؤخرًا من أحد السجون السورية، قائلاً: “كنت أحد منتسبي حزب الله العراقي، وتم نقلنا إلى سوريا بعد تحرير المنطقة من داعش. عندما سقط النظام لم نستطع الفرار، فقد أُغلقت الحدود العراقية بوجهنا وتم اعتقالي دون محاكمة أو تهمة واضحة. لقد كان سجناً قاسياً”، وفقاً لوصفه.
ويتابع العثمان حديثه بنبرة تعبّر عن خيبة أمل: “حكومتنا تعلم بأمرنا، ونحن جئنا إلى سوريا بأوامر منها. سمعنا كثيرًا عن مفاوضات بين البلدين للإفراج عن المساجين، لكنني فوجئت بإطلاق سراحي بعد التأكد من عدم مشاركتي بجرائم حرب. أقيم الآن في بلدة البوكمال مع عائلتي، لكن لا أستطيع العودة إلى العراق خوفًا من الملاحقة من قبل حزب الله العراقي”.
انقسام مجتمعي ورؤية حقوقية
تثير قضية المقاتلين العراقيين المحتجزين في السجون السورية جدلاً واسعاً في الأوساط السورية، بين من يرى أنهم جاؤوا لدعم نظام قمعي ويستحقون ما وصلوا إليه، ومن يعتبرهم ضحايا لحرب الوكالة.
يقول الناشط الحقوقي قيس عبد الرزاق لنورث برس: “المجتمع السوري منقسم حول هذه القضية. هناك من يرى أنهم شاركوا في دعم النظام، وهناك من ينظر إليهم كضحايا تم استغلالهم. في النهاية، كثير منهم جاؤوا من أجل لقمة العيش، وليس بدافع أيديولوجي أو قومي”.
ويضيف عبد الرزاق: “غالبية الأسرى في السجون السورية يعانون من ظروف نفسية صعبة. نحن كنشطاء نطالب بالإفراج عن المساجين الذين لم تثبت ضدهم تهم بارتكاب جرائم حرب، وتقديمهم لمحاكمات عادلة، ثم تسهيل عودتهم إلى بلدانهم الأصلية. فهؤلاء لم يعودوا يشكلون خطرًا على الأمن السوري، بعد أن فرّ القادة وبقي الجنود البسطاء في الواجهة والسجون”.
أرقام صادمة وملف ينتظر الحسم
وبحسب نشطاء محليين من دير الزور، فإن عدد المقاتلين العراقيين في سوريا قبل سقوط النظام تجاوز 8000 مقاتل، غادر معظمهم إلى العراق لاحقًا، بينما بقي نحو 30% داخل الأراضي السورية، ومن بينهم نسبة كبيرة تقبع اليوم في السجون.
اليوم، تبدو هذه القضية مؤجلة في ظل غياب اتفاق واضح بين دمشق وبغداد بشأن آلية التعامل مع هؤلاء المحتجزين. وبين مساعي الإفراج والتسويات المحدودة، يبقى مصير آلاف العائلات العراقية والسورية معلقاً، في انتظار حل ينهي واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السوري بعد الحرب.




