تقارير

المأساة الصامتة لبدو هُجّروا من السويداء

سانتياغو مونتاغ سولير

لم تتسبب أزمة السويداء في كارثة إنسانية فحسب، بل عمّقت أيضًا الانقسامات الطائفية في سوريا. وعلى رغم أن الهدوء الهش يسود حاليًا، فإن جذور النزاع لم تُحل بعد. بدو المنطقة لهم حصتهم من المعاناة

في أكثر من 12 قرية في محافظة درعا السورية، تنتظر آلاف العائلات البدوية العودة إلى منازلها، بعدما وجدت نفسها عالقة وسط اشتباكات عنيفة بين مجموعات مسلّحة بدوية – مدعومة من جهاز الأمن العام – وميليشيات درزية.تحرير محمود الخدّام،  أب لخمسة أطفال، يقول وهو جالس على سجادة في أحد صفوف المدرسة البلدية في المليحة الغربية، التي تحوّلت اليوم إلى مأوى:”أطلقوا النار على بيوتنا واقتحموها. لم يكن أمامنا خيار سوى الفرار إلى الصحراء. واصلوا إطلاق النار علينا حتى ونحن نهرب مع الشيوخ والأطفال الصغار. سرنا أكثر من كيلومترين بلا ماء، كدنا نهلك عطشًا”، ثم يضيف: “في النهاية اضطررنا للعودة”.

يخبرنا محمد الخدّام:”احتمينا بالمسجد، حيث عانينا من الجوع والعطش، بعدما تواصلنا مع الهلال الأحمر، الذي نسّق عملية إجلائنا بعد سبع ليالٍ”. يتابع:”نقلونا عبر السليم ودوّار العمران. وفي اللحظة الأخيرة، وبعد إذلالنا، قالوا لنا: لا تعودوا أبداً”.

بحسب تحرير، كان المهاجمون من ميليشيا موالية لحكمت الهجري، الزعيم الديني الدرزي البارز المعروف بمعارضته للحكومة الانتقالية. ومع ذلك، مثل كثير من البدو، يؤكد أن قبيلته سكنت في بريكة منذ أكثر من خمسين عاماً، يقول: “نحن أصلاً من هناك”، ويتابع بحيرة: “كانت هناك مشاكل نعم، لكنها بسيطة، وكنا نحلّها بسرعة. أما الآن… فانظروا كم تغيّرت الأمور”.

السويداء على الحافة

مرّ أكثر من شهرين على دخول محافظة السويداء في جنوب سوريا، واحدة من أكثر أزماتها دموية في تاريخها الحديث. ما بدأ كسلسلة من عمليات الخطف المتبادلة بين الفصائل البدوية والدرزية على طريق دمشق، سرعان ما تصاعد إلى صراع مسلّح شامل، استدعى تدخلًا واسعًا من الحكومة الانتقالية. دخلت قوات الأمن العام والجيش إلى المحافظة بذريعة «استعادة النظام». لكن وجودهم أجّج العنف الطائفي، وانتهى بكارثة إنسانية هائلة.

بين 14 و23 تموز/ يوليو، وقعت عمليات انتقام ومجازر، بالتزامن مع غارات جوية إسرائيلية وتعبئة واسعة للمقاتلين البدو من مختلف أنحاء سوريا. وتداولت وسائل التواصل عشرات الفيديوهات – تحققت منها منظمات مثل العفو الدولية – أظهرت إعدامات وتعذيبًا وأعمال عنف مروّعة.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 1677 شخصًا، بينهم 452 أُعدموا. ومن بين الضحايا 250 امرأة وطفلًا، معظمهم من الطائفة الدرزية.

ومنذ 19 تموز/ يوليو، تسود هدنة هشة على حدود السويداء، لكن السكان ما زالوا يبلّغون عن هجمات يومية، ما يدل على أن الوضع لا يزال شديد التقلّب. وبينما دفعت الطائفة الدرزية الثمن الأكبر – واتُّهمت القوات الأمنية بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين – فقد هُجّرت أيضًا آلاف العائلات البدوية قسرًا من بيوتها.

لا تزال السويداء تحت سيطرة صارمة من جهاز الأمن العام، من دون أي حوار علني بين الدولة وميليشيات الدروز. وقد أدّى الحصار الفعلي إلى شبه انهيار كامل في الخدمات الأساسية. ووصف مبعوث الأمم المتحدة الوضع قائلاً: «إن كثيرين يعيشون في ظروف بالغة الهشاشة، والأضرار الواسعة بالبنية التحتية تفاقم مأساتهم».

البدو في المجهول

نُقلت آلاف العائلات البدوية العالقة في مرمى النيران، إلى عشرات المدارس التي تحولت إلى ملاجئ مؤقتة في درعا. ووفق بيانات الأمم المتحدة، نزح أكثر من 192 ألف شخص جراء القتال. وبسبب الطابع الطائفي للنزاع، توزّع النازحون اليوم بين ثلاث مناطق: السويداء ودرعا والأرياف المحيطة بدمشق.

تقول أمينة، وهي امرأة بدوية تبلغ 30 عامًا وتعيش مع عائلتها في الحراك شرق درعا: “نحن هنا منذ بداية الأزمة، لكن الأمور تزداد سوءًا ونحن ننتظر العودة، إن شاء الله”، وتضيف بقلق: “نحصل على بعض الطعام، لكن لا غاز للطهو، فقط نار صغيرة”.

وتتابع:”الآن لدينا سقف فوق رؤوسنا. لكن المدرسة ستفتح بعد أسبوعين، وربما يطردوننا”. وأمينة معلّمة هربت من قرية المسرة في السويداء حيث وُلد جميع أطفالها.

من حولها، نساء أخريات يروين أنهن فررن خوفًا من هجمات فصائل درزية، خصوصًا ميليشيا الهجري. كلهن يأملن بنوع من المصالحة. وتقول درة، وهي امرأة بدوية مسنّة: “كل هذا غير منطقي. عشنا بسلام لعقود. لم تكن لدينا مشاكل. هذا العنف جديد علينا”.

الاستجابة الإنسانيّة قاصرة

في المليحة الغربية بريف درعا، يستخدم المختار بشار الحراكي المبنى البلدي لتخزين المساعدات الغذائية التي يقدّمها برنامج الأغذية العالمي لتوزيعها، يقول:”حتى قبل الأزمة، كانت الأوضاع سيئة. أما الآن فازدادت سوءًا. استقبلنا أكثر من 8000 شخص في هذه القرية الصغيرة – من البدو والدروز. الجميع مرحّب بهم. نحن جميعًا سوريون”.

يفرغ الرجال صناديق المساعدات خارج مكتب الحراكي، وهو يحدثنا قائلاً: “العائلات تعيش في المدارس والمنازل الخاصة والخيام على الأطراف… إسرائيل وراء كل هذا، تريد أخذ أرضنا. تدخّلها جعل الأمور أسوأ. هذه لحظة حرجة لبلدنا، والتوترات الطائفية عادت الى الظهور بعد سقوط النظام”.

في الكرك، قرية في درعا، تعيش خمس عائلات في مدرسة متضررة بشدة ، لا كهرباء، لا غاز، والسقف بالكاد صامد. يقول أحمد إن والدته لم تعد قادرة على الكلام، يضيف مذهولاً: “عاشت عائلتي في السويداء أكثر من 100 عام. لم يكن بيننا وبين الدروز أي خلاف”.

وعلى بعد أقل من كيلومتر، تعيش درة مع أختها وأمها في مدرسة أخرى مع عشرات العائلات. وهي جالسة في مأوى مؤقت، تروي كيف اختُطفَت عائلتها بكاملها لمدة أسبوعين على يد رجال الهجري.

تقول وسط أكوام من الأغطية والملابس: “قبضوا علينا ونحن نهرب باتجاه درعا، كنّا نحو 15 شخصًا – نساءً وأطفالًا. إحداهن وضعت طفلها أثناء الأسر، وحسب علمنا ما زالت عندهم”.

تجلس والدة درّة على سجادة، تبكي من ألم في ساقها، بينما تشير إليها درة قائلة: «لا نعرف ما بها. نحن فقط ننتظر أن يأتي أحد ليفحصها”.

مسؤوليّة الدولة

لم تتسبب أزمة السويداء في كارثة إنسانية فحسب، بل عمّقت أيضًا الانقسامات الطائفية في سوريا. وعلى رغم أن الهدوء الهش يسود حاليًا، فإن جذور النزاع لم تُحل بعد. وقد زاد أسلوب تعامل الحكومة مع الوضع من عزلة السويداء، مضيفًا بُعدًا طائفيًا إلى الصراع في لحظة حرجة لإعادة إعمار سوريا بعد 14 عامًا من الحرب.

صاغ كل فصيل روايته الخاصة لحشد قواعده الإثنية والدينية، غالبًا بدعم من أطراف خارجية – تاركًا المدنيين محاصرين في الوسط. ومعاناة العائلات البدوية تذكير صارخ بأن هذه الانقسامات لم تعد سياسية فحسب، بل صارت نتاج حرب طويلة دمّرت الأرواح وشتّتت المجتمعات ودَفعت البلاد إلى حافة الانهيار.

يبدو أن أفق المصالحة أبعد من أي وقت مضى. ومع استمرار التهجير وتفاقم العزلة، تواجه سوريا ليس فقط تحدي إعادة بناء مدنها، بل أيضًا مهمة شاقة في ترميم النسيج الاجتماعي لأمّة ممزّقة. ويختتم تحرير محمود الخدّام برسالة واضحة:”مستقبلنا لا يجب أن يكون حياة الخيام من جديد. مصيرنا يجب أن تقرّره الدولة بالعدل. هذا هو الأساس”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى