شعر

صور في ذاكرة مدينتي ” سري كانية “

مدينة الينابيع تعلق أحلامها كقمصان عتيقة على حبال الهجرة

‏ وتخبئ أنفاسها في مسام الجدران القديمة

‏تنتظر قلوباً جفّتْ مذ استوطنها الغياب.

‏هناك… عند منعطف “شارع الكنائس”

‏ يتشبث الضباب بالأشجار كأرامل يرتدين ليلهنَّ العاري

‏ بينما تقف أشجارُ الصفصاف على حواف السواقي

‏كنساء مكلومات سرّحنَ شعرهن الطويل في الماء،

‏ يبكين ظلا كان يؤوي العشاق،

‏ وينحنين تحت ثقل الذكرى كأنما يعتذرنَ للأرض عن غياب الراحلين

‏وعلى زجاج النوافذ

‏ تتكثف الذكريات كدمع مالح

‏تاركة خلفها ندوباً تشبهُ شهقات الحروف حين تنكسر..

‏أو وجعاً يفتقد الحنجرة، وشوقاً ضلَّ طريق العناوين.

‏وفي قلب الذاكرة، تشرق “بخجي سيراني”

‏كانت رئة تتنفسُ الضحكات،

‏وبساطاً أخضر يطوي تحت طياته أسرار اللقاءات الأولى.

‏هناك….

‏حيث كان العطر يرتجل قصائده

‏ تحولت الحديقة اليوم إلى مرآة مهشمة تعكس وجوه الغائبين،

‏وأصبحت نسماتُها صدىً لضحكات أطفال كبروا فجأة في المنافي.

‏‏وخلف أسوار” مدرسة الأمل”

‏ كنت أرتق صمتي بنظرة إلى سحابة شاردة، أحصي نبض المطر على الزجاج كمن يقرأُ طالع الغيم،

‏أصغي لصلوات” أجراس الكنائس” وهي تفتض بكارة السكون،

‏ أحمل أسئلتي كفراشاتٍ محنّطة في تابوت الورق، نطارد الضوء بأكفٍّ لا تقبض إلا على ريح الفراغ.

‏ودكان” بحدي شامية”

‏ كان محراياً للأمان، ونافذة تطلُّ على فردوس صغير، قبل أن يصبح أطفاله قصائد نازحة

‏ في مخيمات الوجع، يطرزون من خيوط الغربة بالونات ليطيروا بها فوق الأسوار.

‏‏أما “طاحونة علو”

‏ فهي ناي حجري يتنهد تحت وطأة الحنين، جدرانها أذرع تآكلتْ وهي تحاول احتضان هواء لا يهدأ.

‏وعلى الطريق الممتدِّ نحو …”الأرخوم والسالوبا” يمشي الهواء مثقلاً بطعنات الذاكرة،

‏يحمل على ظهره حقائب أهل المدينة المثقوبة، وخطوات العابرين الذين اكتشفوا أنَّ الضفة الأخرى ليست أرضاً.. بل هي مقعد بارد على رصيف مهجور،

‏تلك الريح التي طافت حول المآذن الخرساء، انتفضت فجأة كأنها توقظ الموتى، معلنة أنَّ المدينة لم تعد مدينة..

‏ بل هي ثقل الوداع يمشي على قدمين.

‏و”حمام سلمى”لا يروي تاريخه بماء الجسد،

‏ بل بعرق الأرواح المنكسرة، يسرد بالضباب والأصداء وخطى الذين ذابوا في المساء،

‏فمن يخرج من هذه المدينة لا يعود كما كان.. بل يعود أثرا لصدى قديم

‏بئراً من الأسئلة لا يسكنها سوى الصمت.

‏كردستان يوسف

زر الذهاب إلى الأعلى