المشهد الفني منظومة متكاملة ومتعدّدة الوسائط تجربتي في فيلم «نسخة طبق الأصل» مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتجربتي المسرحية المسرح قائم أساسًا على الرسالة والتواصل المباشر مع الجمهور نعاني من إشكالية حقيقية في استقطاب الجمهور المسرحي

عشقُ الفن أبحر في بحوره، ولم توقفه أمواجُ البحر، فأرسى على شواطئ متعدّدة من الإبداع، تاركًا مشاهد غير مألوفة في حالته الإبداعية والفنية.
إنّه الفنان كاوا، الذي خلق مشهدًا متجدّدًا في السينما الكوردية وفي مجالات فنية متنوّعة، معلنًا صوته كمبدعٍ وعاشقٍ للفن بكل أشكاله.
ويسعدنا أن نلتقي به ضمن لقاء اليوم على موقع سوريا للجميع.
المشهد الفني لديك متعدّد الفنون بين المسرح والسينما والتلفزيون، فهل هذا التنوّع نابع من رغبتك في إيصال رسالة معيّنة إلى الجمهور؟
في الحقيقة، أرى المشهد الفني بوصفه منظومة متكاملة ومتعدّدة الوسائط، ولا يمكن تجزئة الدراما أو حصر الفنان ضمن إطار واحد. عملي في المسرح لا يعني أنني منغلق عليه أو غير مستعد للعمل في السينما أو التلفزيون، على العكس تمامًا. توجهنا إلى المسرح في كثير من الأحيان يعود إلى أن كلفته الإنتاجية أقل، ويتيح إنجاز عمل فني حتى في ظل إمكانات محدودة، بينما تتطلب السينما والدراما التلفزيونية موارد وفرص إنتاج أكبر، وهي غير متوفرة دائمًا في منطقتنا.
لكن في حال توفّرت فرصة حقيقية للعمل في السينما أو التلفزيون، فلمَ لا؟ لا أؤمن بتصنيفات مثل «ممثل مسرحي» أو «ممثل تلفزيوني» أو «ممثل سينمائي»، فهذه تقسيمات غير دقيقة برأيي. الفنان هو فنان في أي وسيط يعمل من خلاله. شخصيًا، أنا منفتح ومستعد بكل شغف للعمل في المسرح والسينما والتلفزيون، مع احتفاظ المسرح بخصوصيته ومكانته القريبة إلى قلبي
تجربتك الأولى في مجال السينما جاءت من خلال فيلم «نسخة طبق الأصل». ما أبرز الصعوبات التي واجهتك أثناء أدائك لشخصيتين متناقضتين أمام كاميرا السينما، وكيف تجاوزتها؟
تجربتي في فيلم «نسخة طبق الأصل» مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتجربتي المسرحية، ويمكنني هنا الحديث بثقة عن الدور الكبير الذي لعبه المسرح في تطوير أدواتي كممثل. في المسرح نعمل كثيرًا على ما يُعرف بالأدوار المركّبة، حيث تؤدي الشخصية أكثر من حالة أو دور داخل العمل الواحد، وهذا ما منحني قدرة عالية على الانتقال بين شخصيات متناقضة بسلاسة ووعي.
هذا التدريب المسرحي كان له الفضل الأكبر في تمكّني من تجسيد شخصيتين مختلفتين تمامًا أمام كاميرا السينما، وأعتبر هذه التجربة خطوة أساسية في مسيرتي الفنية. وبالطبع، هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية، فأنا أؤمن أن الممثل يجب أن يمتلك ثقافة واسعة، وأن يكون قارئًا جيدًا، ملاحظًا، وقادرًا على تقبّل النقد والملاحظات بروح منفتحة.
خلال تجربتي الفنية المتواضعة، كنت أحرص دائمًا على مراقبة التفاصيل الحسية والنفسية للشخصيات. وفي المسرح، نعتمد كثيرًا على مراجع أساسية، من أبرزها كتب ستانسلافسكي، ولا سيما كتاب «تدريب الممثل»، الذي أعتبره مرجعًا أساسيًا بالنسبة لي، لما يتناوله من فهم عميق للدوافع النفسية والعوامل الداخلية للشخصية، وكيفية انعكاسها على الأداء التمثيلي بصدق وعمق.
في فيلم «نسخة طبق الأصل» أديتَ الدور الرئيسي. حدّثنا عن الشخصية، ومراحل تصويرها، وكيف وجدت تجربتك السينمائية بشكل عام؟
بدايةً، أود التأكيد على أنه لا يمكن القول إن فنًا ما أصعب من الآخر؛ فالمسرح ليس أصعب من السينما، ولا السينما أصعب من التلفزيون. لكل وسيط فني أدواته وخصوصيته. هناك ممثلون بارعون جدًا في المسرح لكنهم لا ينجحون أمام الكاميرا، والعكس صحيح.
عند دخولي تجربة هذا الفيلم، وضعت نصب عيني ضرورة الابتعاد عن الأداء المسرحي أمام الكاميرا. بالفعل، وُجّهت بعض الانتقادات لأداء بعض الشخصيات في الفيلم باعتباره أقرب إلى المسرح، ونحن نتعلّم وننضج من خلال هذه الملاحظات. حاولت قدر الإمكان التخلص من هذا النفس، وأعتقد أنني تمكنت من تجاوز هذه الإشكالية.
عندما دخلت عالم السينما، لم أشعر بالغربة، بل عملت على التفاصيل الداخلية الدقيقة للشخصية، وتوغلت في أعماقها النفسية. المشاهد الذي تابع الفيلم يستطيع أن يلمس هذا الجانب بوضوح. كانت تجربة مفيدة جدًا بالنسبة لي، وأعتبر هذا العمل فرصة حقيقية واختبارًا جديًا لإمكاناتي في المجال السينمائي. أما التلفزيون، فيبقى أكثر انتشارًا من حيث الترويج والتسويق، ويمنح الفنان حضورًا أوسع مقارنة بالمسرح والسينما.
بعد عرض فيلمك «نسخة طبق الأصل» في مهرجان أفلام روج آفا، كيف كانت ردود فعل الجمهور، خاصة أنه اعتاد على أفلام المقاومة والنضال؟
قُدّم الفيلم ضمن عروض مهرجان أفلام روج آفا، وأعتقد أن من الضروري عرض هذه الأفلام، ولا سيما المحلية منها، في أكثر من مناسبة. تميّز الفيلم بطرحه فكرة إنسانية ووجدانية عميقة، تحمل دلالات رمزية بعيدة، ولم تكن فكرة سطحية أو مباشرة.
مع كامل الاحترام لجميع التجارب، لا توجد فكرة خاطئة بحد ذاتها، لكن النقاش الحقيقي يجب أن يكون حول مستوى المعالجة الفنية. الأفلام التي تتناول المقاومة والنضال ليست سيئة، بل على العكس، لكنها تحتاج إلى مستوى فني يوازي أهمية الفكرة، من حيث البناء الدرامي، السوية الأدبية، الأداء التمثيلي، الإخراج، الإنتاج، وحتى التسويق، بما يتناسب مع حجم التضحيات والنضالات التي تعيشها مناطقنا.
يختلف الفن المسرحي عن بقية الفنون من حيث التواصل المباشر مع الجمهور. ما الدور الذي يلعبه الجمهور في نجاح العرض المسرحي؟
المسرح قائم أساسًا على الرسالة والتواصل المباشر مع الجمهور. الجمهور ليس مجرد متلقٍ، بل هو عنصر أساسي في تشكيل العرض المسرحي وإنجاحه. غياب الجمهور أو ضعف تفاعله يعني عمليًا فشل العرض، مهما بلغت قيمته الفنية.
اليوم نعاني من إشكالية حقيقية في استقطاب الجمهور المسرحي، وهذا يتطلب عملًا طويل الأمد لصناعة جمهور واعٍ ومتابع، قبل الانتقال لاحقًا إلى مرحلة تشكيل جمهور نخبوِي متخصص. كثير من العروض تُقدَّم حاليًا دون الاعتماد على مدارس مسرحية واضحة، ما ينعكس سلبًا على التلقي. في المقابل، تقع على عاتقنا كمسرحيين مسؤولية الارتقاء بسوية الأعمال التي نقدمها، بهدف جذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور. وبعد ترسيخ هذه القاعدة، يمكن التوجه نحو العروض المتخصصة، لأن بعض الأنماط المسرحية، كالمسرح العبثي أو الرمزي أو التغريبي، لها جمهورها الخاص، وتختلف عن المسرح الواقعي أو الكلاسيكي.
أبحرت ببحور الفن والاعلام مؤخرًا عملت في مجال التلفزيون من خلال برنامج «Diyo Drama». كيف تقيّم هذه التجربة، وماذا عن موسمه الثاني؟
جاءت فكرة البرنامج انطلاقًا من تجربتي المسرحية، حيث طُرح اقتراح بتقديم برنامج تلفزيوني يُسلّط الضوء على المسرح، بوصفه فنًا مهمشًا مقارنة بالتلفزيون الموجود في كل بيت، والسينما إلى حد ما.
في الموسم الأول من برنامج «Diyo Drama» استضفنا ما يقارب خمسين ضيفًا، غالبيتهم من المسرحيين، من ممثلين ومخرجين وكتّاب، إضافة إلى مختصين بالديكور، والإضاءة، والسينوغرافيا. كان البرنامج مهمًا في تسليط الضوء على مسرحيين مهمّشين يمتلك بعضهم تاريخًا فنيًا طويلًا دون أن يكون معروفًا لدى الجمهور.
كثيرًا ما كان يصلني سؤال: «من هذا الشخص؟» رغم أن بعض الضيوف تجاوزت أعمارهم الستين أو السبعين عامًا. أما الموسم الثاني، فلن يختلف كثيرًا عن الأول من حيث الفكرة العامة، لكنه سيشهد تنويعًا في طبيعة الضيوف، حيث لن يقتصروا على المسرحيين فقط، بل قد يشمل شعراء وفنانين من مجالات أخرى، مع التركيز في كل حلقة على نقاط التقاطع والعلاقة بين المسرح وهذه الفنون.
حاورته / أميرة إبراهيم







