آراء ومقالات

 تساؤلات حول دخولنا العام الجديد مع مطلع عام جديد… أيّ سوريا نريد؟

مع اقتراب رأس السنة، نقف جميعًا أمام لحظة تأمل صادقة: ماذا أنجزنا في العام المنصرم، وأيّ طريق رسمناه لأنفسنا ولوطننا؟ هل وُفّقنا فيما خططنا له، أم تعثّرنا تحت ثقل الأزمات؟ والأهم: ماذا نريد أن نمنح للسنة الجديدة، كقوى وطنية وديمقراطية، وكحكومة انتقالية مؤقتة، وكشعب أنهكته سنوات الألم وما زال يحلم بالأمل؟

لعلّ السؤال الأول الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل نستطيع أن نجعل من العام الجديد بداية حقيقية للاستقرار في سوريا؟ أن نطوي صفحة ذهنية الفتن والإقصاء والتهميش والإنكار، وأن نترك خلفنا لغة القتل والحروب، لنتجه نحو عام تُظلّله روح الفرح والتفاؤل، وتحرّكه العزيمة والإصرار على تحقيق ما يستحقه شعبنا السوري؟

هل يمكن أن نتخلى عن عقلية هزيمة الآخر وإنهائه، سياسيًا أو عسكريًا أو ثقافيًا أو اجتماعيًا، ونستبدلها بذهنية بناء الوطن؟ وطنٍ جميل، يتّسع لكل ألوانه، تُحلّ فيه الخلافات بالحوار والكلمة الطيبة، لا بالعداء والخطاب التحريضي. وطنٍ نتوافق فيه ونتشارك ونتعاون ونتعاضد، بدل أن نتعارك ونتقاسم ونتباعد ونتفرّق.

هل نستطيع أن نجعل من سوريا هوية وطنية جامعة، تحتوي جميع الهويات الفرعية والمحلية، وتنسج بينها تناغمًا يقوّي بعضها بعضًا، بدل هوية أحادية تُقصي المختلف وتفرض لونًا واحدًا؟ وهل يمكن في العام الجديد أن نمنح السوريين رسالة أمل وانسجام وابتسامة، بدل خيبة الأمل والحزن والتباعد؟

هل يمكن أن نعمل من أجل عيشٍ كريم، تُصان فيه كرامة المواطن، ويُؤمَّن فيه أمنه المعيشي والغذائي، بدل حياةٍ تُرهق الإنسان وتمنعه من إدارة شؤون بيته بكرامة؟ وهل نستطيع أن نحوّل سوريا إلى بلدٍ يعلي شأن الإعمار والبناء والتنمية المستدامة، بدل الدمار والهدم والتراجع؟

وماذا عن أطفالنا؟ هل نقدر أن نوفر لهم بيئة آمنة للتعليم والتعلّم، نضع فيها حجر الأساس لجيل جديد واعٍ، متعلم ومستنير، بدل جيلٍ محروم ومشرّد قد يتحوّل ضحيةً للأزمات ومصدرًا لمشكلات المستقبل؟ وهل يمكن أن نجعل من سوريا بلدًا خاليًا من الإرهاب والتطرف، لا يُقتل فيه الإنسان على الهوية، ولا يُعتقل بسبب انتمائه، بلدًا تُمارَس فيه الديمقراطية بروح الاعتدال والتسامح، ويُحترم فيه التنوع الإثني والديني؟

هل يمكن أن تستعيد سوريا دورها كأرضٍ للأديان السماوية والحضارات، حيث تعيش المعتقدات في حوار وتفاهم، لا في صراع واقتتال؟ وهل نستطيع أن نفتح المجال أمام الشباب، هذه الطاقة الديناميكية الخلّاقة، ليشعروا بأن وطنهم يحتضن طموحاتهم ويستثمر قدراتهم، بدل أن يدفعهم إلى الهجرة والاغتراب؟

وهل سنرى في العام الجديد المرأة السورية في مكانتها الطبيعية، شريكةً كاملة في المجتمع، تؤدي دورها وتُسخّر طاقاتها إلى جانب الرجل في خدمة التطوير والازدهار؟ وهل يمكن أن تتكامل أدوار جميع الشرائح الاجتماعية والثقافية والحقوقية، ورجال الدين، في لوحة فسيفسائية وطنية جميلة، تعكس غنى سوريا وتنوّعها؟

صحيح أن تحقيق كل ذلك في عامٍ واحد ليس سهلًا، لكن كما يُقال: ألف ميل يبدأ بخطوة. المهم أن تتجه عقولنا وأفكارنا وسياساتنا وخطابنا وتنظيمنا واستراتيجياتنا وتكتيكاتنا ورؤيتنا نحو الخير لسوريا. أن نفكّر بشكل حسن، ونتحدث بشكل جميل، ونعمل بإخلاص وجمال؛ فالفكر الحسن يولّد القول الحسن، والقول الحسن يقود إلى العمل الحسن.

إن هذه الأسئلة، بكل ما تحمله من أمل ومسؤولية، تتطلّب من جميع القوى الوطنية والديمقراطية، ومن النخب السياسية والثقافية والاجتماعية، ومن المجتمع المدني ورجال الدين، ومن الحكومة الانتقالية المؤقتة والإدارة الذاتية، مراجعةً جادّة للمسار، ورسم طريقٍ واضح نسير فيه معًا. فهكذا فقط يمكن أن يكون العام الجديد بداية حقيقية لسوريا التي نحلم بها   

حسن محمد علي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى