شرق الفرات في سوريا الفيصليّة وسوريا الأحمديّة

في المشاهد الختامية لفيلم لورنس العرب، وتحديدًا في مشهد دخول القوات العربية القادمة من الحجاز إلى دمشق، تبدو المدينة وكأنها تستقبل لحظة تاريخية جديدة. غير أنّ القاعة التي يجتمع فيها العرب والبريطانيون تكشف سريعًا هشاشة هذا النصر. فبينما ينشغل القادة المحليون بمحاولات متسرّعة لتأسيس إدارة وطنية وسط الفوضى وندرة الموارد، يقف الضباط البريطانيون على الطرف الآخر من القاعة ببرودٍ محسوب، بانتظار اللحظة التي يعلنون فيها أنّ القرار النهائي لم يكن في دمشق يومًا، بل في العواصم التي ترسم خرائط القوة.
هذه المفارقة بين دخول المدينة والقدرة على حكمها، بين الطموح المحلي والهيمنة الدولية، ليست مجرد بناء سينمائي؛ بل هي مرآة تعكس أزمات متجدّدة في تاريخ سوريا الحديث. فكما انهار “مجلس دمشق” عام 1918 تحت وطأة التنافس الدولي والعجز الإداري، تواجه سوريا اليوم — بعد أكثر من قرن — محاولات مشابهة لإعادة بناء السلطة في ظل صراعات خارجية مركّبة وخرائط نفوذ تتجاوز قدرة الفاعلين المحليين على صياغتها. وهكذا يصبح المشهد القديم مفتاحًا لفهم اللحظة الراهنة: لحظة تتكرّر فيها الدروس نفسها، حيث يتشابه التاريخ، لا في الأشخاص، بل في آليات تشكّل السلطة وحدودها وسقوطها.
الباحث في التاريخ السوري المعاصر، خصوصًا في السنوات القصيرة التي أعقبت انهيار الدولة العثمانية ودخول الملك فيصل إلى سوريا ومحاولته إنشاء “المملكة العربية السورية”، يلاحظ تشابهات بنيوية لافتة بينها وبين سوريا الراهنة، ولا سيّما على مستوى ضبابية التفاهمات الدولية وتعدّد القوى المحلية ومحاولات تشكيل نموذج حكم جديد.
ولعلّ المقارنة بين مرحلة فيصل ومرحلة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) -بوصفه فاعلًا مؤثرًا في سوريا ما بعد الأسد والبعث-تُظهر أنّ كليهما تحرّك داخل هامش ضيّق رسمته القوى الدولية، وأنّ كلا المشروعين حاول بناء سلطة مركزية سنيّة داخل بيئة سياسية خانقة.
أما شرق الفرات الكردي، فهو أحد أبرز مواضع التشابه بين المرحلتين. فكما لم يكن شرق الفرات ضمن خريطة سوريا الملكية (للمملكة الفيصليّة)، يبقى اليوم خارج إطار ما يمكن تسميته بـ“سوريا الأحمديّة”، سواء كمنافسة جغرافية، أو كاختلاف سياسي–عسكري، أو كنتيجة مباشرة للتوازنات الدولية المؤثرة في المنطقة.
ورغم أنّ الكرد خسروا في العقدين الأولين من القرن العشرين فرصة تثبيت وضع سياسي خاص، نتيجة غياب قوة سياسية–عسكرية منظّمة تستطيع التفاوض أو فرض مطالبها، فإنّ الوضع اليوم مختلف بوضوح. فقد امتلكت القوى الكردية — ضمن “قوات سوريا الديمقراطية” — قدرة عسكرية وإدارية مكّنتها من أن تكون طرفًا فاعلًا ضمن التحالف الدولي.
ويُروى أنّ أحد كبار الجنرالات في قوات سوريا الديمقراطية قال بصراحة لممثلين عن المملكة المتحدة، في السنوات الأولى لمحاربة تنظيم داعش، عندما سُئل عن طموح الكرد المستقبلي:
“لا نطلب شيئًا سوى تصحيح أخطائكم تجاه القضية الكردية في بداية القرن الماضي.”
وهي عبارة تختصر قرنًا كاملًا من التحوّلات، وتُبرز إلى أيّ مدى لا يزال المشهد السوري — بمناطقه وتكويناته وتوازناته — أسيرًا لقرارات دولية سابقة، وفاعلًا فيها في الوقت نفسه.
زانا عمر




