الكرد بين صراع المشاريع الكبرى وإرث سايكس – بيكو

نحو شرق أوسط جديد تتقاطع فيه المصالح وتُعاد فيه الخرائط
تتجه التحولات الدولية والإقليمية الراهنة نحو مرحلةٍ غير مسبوقة من إعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط، حيث تتشابك المصالح بين القوى الكبرى وتُعاد صياغة التحالفات في ضوء صراع المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية، وفي مقدمتها مشروعا IMEC وBRI اللذان يُعدّان عنوانًا جديدًا للمواجهة بين الغرب والشرق. وفي خضمّ هذه التفاعلات، تبرز القضية الكردية مجددًا كأحد المفاتيح الجغرافية والسياسية لهذا التحول، وكقوة كامنة قادرة على المساهمة في صياغة شرق أوسط مختلف الملامح والحدود.
تقاطع المصالح القديمة والجديدة
لم يكن التقاطع بين القوى الكردية والقوى الدولية أمرًا مستحدثًا، بل تكرّر في محطاتٍ مفصلية من تاريخ المنطقة. فقد برز هذا التقاطع خلال الحرب ضدّ تنظيم داعش، حين وجدت القوات الكردية نفسها في خندقٍ واحد مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. كما سبق أن حدث ذلك مع قوات البيشمركة أثناء الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003، حين استُخدمت كقوة محلية فاعلة لتحقيق هدفٍ دولي أكبر.
إلا أنّ ما يلوح في الأفق اليوم يحمل ملامح مختلفة، إذ تتجه المؤشرات نحو تقاطعٍ أعمق وأكثر رسوخًا، قد لا يقتصر على التنسيق العسكري أو الأمني، بل يمتدّ إلى البنية السياسية والاستراتيجية للمنطقة بأسرها. وهو ما يفتح الباب أمام إحياءٍ جديدٍ للقضية الكردستانية، ليس كملفٍ حقوقي أو قومي فحسب، بل كركيزةٍ ضمن مشروعٍ دولي يسعى إلى إعادة صياغة الشرق الأوسط على أسسٍ جديدة، متجاوزًا إرث اتفاقية سايكس–بيكو التي قسّمت المنطقة قبل قرن وهمشت الحقوق الشعب الكردي.
الصراع بين مشروعي IMEC وBRI
يأتي هذا التحول في سياقٍ عالمي يشهد تنافسًا محتدمًا بين مشروعين عملاقين:
مشروع الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي (IMEC) الذي تقوده الولايات المتحدة والهند بمشاركة إسرائيل ودولٍ خليجية، ويهدف إلى إنشاء طريقٍ تجاري بديل عن النفوذ الصيني، يربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط.
في المقابل، مشروع مبادرة الحزام والطريق (BRI) الذي أطلقته الصين لربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، ويمرّ عبر إيران والعراق وسوريا وتركيا، ويُعتبر أداة لتعزيز نفوذ بكين وموسكو في المنطقة.
كلا المشروعين يتجاوزان الحدود السياسية التقليدية، ويحتاجان إلى مناطقٍ مستقرةٍ وآمنة لعبور خطوط التجارة والطاقة. وهنا تحديدًا تظهر المناطق الكردية كعقدةٍ جغرافيةٍ مركزية، فهي تمتد بين العراق وسوريا وتركيا وإيران، وتضمّ موارد طاقوية ومواقع استراتيجية تجعلها مفصلًا لا يمكن تجاهله في أي ممر اقتصادي أو تحالفٍ إقليمي.
دور الكرد في الشرق الأوسط الجديد
تُدرك القوى الكبرى أن القوى الكردية، سواء في إقليم كردستان العراق أو في شمال وشرق سوريا، أثبتت قدرةً على بناء نماذج إدارية وأمنية مستقرة نسبيًا، مقارنةً بالمناطق المجاورة التي تغرق في الفوضى أو النفوذ الخارجي. ومن هذا المنطلق، بدأ ينشأ إدراك متزايد بأن الكرد يمكن أن يكونوا عامل استقرار وليس مجرد ورقة صراع، وأن إشراكهم في ترتيبات الشرق الأوسط الجديد قد يساهم في تحقيق توازنٍ سياسيٍ طويل الأمد.
هذا الوعي الدولي المتنامي يُمهّد لأن تُطرح القضية الكردية مجددًا على المنابر العالمية، ليس من زاوية المظلومية القومية فقط، بل باعتبارها جزءًا من الحل البنيوي لمستقبل المنطقة، وركيزةً لأي مشروعٍ يسعى لتجاوز الانقسامات التي فرضتها اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى.
نحو مرحلة ما بعد سايكس–بيكو
إنّ الملامح التي تتشكل اليوم تُشير إلى أنّ الشرق الأوسط يدخل مرحلة “ما بعد سايكس–بيكو”، حيث لم تعد الحدود المرسومة منذ قرنٍ تعكس الحقائق الميدانية أو التوازنات الجديدة. فالمشاريع الاقتصادية العابرة للحدود، إلى جانب القوى المحلية الصاعدة كالكرد، تفرض واقعًا جديدًا تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية على نحوٍ يغيّر شكل الخريطة السياسية تدريجيًا.
وفي هذا السياق، يبدو أن اللحظة الكردية تقترب من التحول من “قضية داخلية مؤجلة” إلى ملفٍ دولي محوري، تُبنى عليه حسابات القوى الكبرى ومشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
بين الشرق والغرب، وبين مشاريع الاقتصاد والسياسة، يجد الكرد أنفسهم مرةً أخرى في قلب التحولات الكبرى. غير أن الفارق هذه المرة أنّ العالم يبدو أكثر استعدادًا لتقبّل دورهم كقوة فاعلة، لا كمجرد أداة ظرفية. وإذا ما أحسن الكرد توظيف هذا التقاطع التاريخي الجديد، فقد تكون المرحلة المقبلة بداية فعلية لإعادة الاعتبار للقضية الكردية كجزءٍ من مشروع شرق أوسطٍ مختلفٍ في ملامحه، أكثر توازنًا في قواه، وأقرب إلى واقع الشعوب من خرائط الاستعمار القديمة.
محمد خلو




