سلامٌ ليس مستحيلاً.. وسوريا على مفترق الطريق

أسماء اليوسف
يقول المفكّر والأستاذ السوريّ برهان غليون في مقابلةٍ له على الإخباريّة السوريّة: “نحن بعد سقوط النظام وبعد 60 سنة من العنف والقتل، لم نخرج كمجتمعٍ واحد. نحن الآن طوائف وجماعات وتيارات، نفتقد الثقة بأنفسنا وبالآخرين أيضاً. وتغلب على السوريين عموماً أزمة ثقة وأحكام مسبقة بين أفراد المجتمع في 21 أيلول/ سبتمبر يحتفل العالم باليوم العالمي للسلام، الكلمة التي تبدو للبعض ورديّة وحالمة ولآخرين مستحيلة التحقيق. بين من يربطها بغياب الحرب، ومن يراها بغياب العنف، تبقى أسئلة السوريين معلّقة كيف يمكن بناء السلام في مجتمعاتنا؟
أين سوريا من فرصة بناء سلام الآن؟
يتسم المجتمع السوري بتنوّعٍ كبير في الأعراق والأديان والطوائف، ومكوّنات دينيّة ومذهبيّة، هذا التنوع، الذي طالما كان مصدراً للثراء الثقافي والحضاري عبر التاريخ لكنّه في سوريا كان مصدراً للتوتر. تركت سنوات حكم الأسدين ندوباً عميقة، كما كان لسنوات الثورة السورية والحرب التي شنّها نظام الأسد وحلفاؤه على السوريين أثرٌ وجرحٌ لا يلتئم داخل كلّ فردٍ من أفراد المجتمع. ترك الأسد البلد في حالةٍ من الفوضى المجتمعيّة والاحتقان الشعبيّ وغياب الثقة بين الأفراد ومؤسسات الدولة، إضافةً إلى الانقسامات المجتمعيّة وتعميق الاستقطاب والكثير من المشاكل الهيكليّة التي تشكّل اليوم عائقاً لا يُستهان به أمام فرص بناء السلام.
احتقان وغضب طائفيّ، خطاب كراهية وتحريض منتشر بين أفراد المجتمع على اختلافاتهم العرقيّة أو الدينيّة، فقر يغلب على ثلثي الشعب، أزمة اقتصادية تحتاج إلى الكثير من الوقت والعمل، هذا كلّه إن لم نتحدث عن المشاكل الأمنيّة والقوى المسلحة خارج إطار الدولة والتدخلات الخارجيّة المستمرة، توضح هذه الأسباب لماذا يبدو السلام مستحيلاً في نظر البعض، ومن وجهة نظري الطريق مفتوح للمحاولة وإن كان صعباً.
الأمر لم يقتصر على مشاكل سياسيّة وأمنيّة، بل بلغ النفوس والمجتمع نفسه، وهنا نقف عند كلمة “مواطنين”؛ إذ إنّ أهم شروط وركائز بناء السلام أن يكون أفراد المجتمع متساوين في الحقوق والواجبات، وأن تتحقق العدالة الاجتماعية وتصبح المواطنة صورة الدولة الجديدة.
اليوم، في مرحلة إعادة الإعمار وبناء سوريا جديدة، لا يمكننا العمل على الملفات السياسية والاقتصاديّة والأمنيّة على حساب تأجيل الملفات الداخليّة، وأهمها الانقسامات المجتمعيّة. كثير من الدول التي عاشت حروباً لم تنجح في إحلال السلام في المجتمعية بسهولة؛ على العكس يبقى الغضب متراكماً حتى بعد توقف القتال، لذا فإن إعادة بناء النفوس مسار طويل يتطلب خططاً واضحة وخطوات عملية.
مسارات نحو بناء السلام.
- بناء المؤسسات وتعزيز العدالة
علينا التركيز على إرساء القانون وتطبيق عدالة شفافة وضمان المحاسبة لجميع مرتكبي جرائم الحرب والانتهاكات، وضمان حرية التعبير وحقوق المواطنين على اختلافاتهم
- التنمية الاقتصادية والمجتمعية.
لا يمكن بناء السلام دون معالجة الجذور الاقتصاديّة والاجتماعيّة للعنف، إذ يتطلب ذلك إعادة بناء البنية التحتية وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة بما يخفّف التوترات الاجتماعية المرتبطة بالضعف الاقتصاديّ، إلى جانب الاستثمار في التعليم الذي يعزّز قيم اللاعنف. ولا توجد حتى الآن إحصاءات دقيقة تخبرنا عن عدد العائلات تحت خط الفقر أو الأطفال غير الحاصلين على التعليم، وهذا ما لا يمكن تقديره حالياً بسبب الهجرة واللجوء وأعداد المفقودين ومجهولي المصير.
- حوارات وتجمعات مدنية ومجتمعية.
تُعَدّ التجمعات المدنية والحوارات الوطنيّة خطوة مهمة لإعادة بناء الثقة بين الأفراد وبناء هوية وطنيّة جامعة تحترم التنوع المجتمعي للسوريين وتعزّز ثقافة التسامح وتقبّل الآخر.
إشراك الشباب والنساء والمبادرات المحلية.
يجب أن تكون برامج السلام شاملة وتشرك جميع الفئات، وخاصة الشباب والنساء، الذين يمكن أن يكونوا قوة دافعة للتغيير الإيجابيّ. وأن تبني وتدعم مبادرات السلام المحليّة التي تعكس خصوصيّة المناطق المختلفة، مثل تلك التي تؤكد على التعايش بين مكوّنات المجتمع والعمل على بناء نسيج اجتماعي واحترام التعددية الثقافية، كأمرٍ أساسيّ، إلى جانب دعم المبادرات التي تهدف إلى دمج الثقافات بين أفراد المجتمع.
خطوات صغيرة وثقافة يوميّة لتأسيس بناء كبير.
جميع هذه المسارات تحتاج عملاً جماعياً وتشاركياً بين الأفراد والمؤسسات، يمكن البدء بمبادراتٍ صغيرة، على الأقل هدفها الاستماع إلى الآخرين وفهم مخاوفهم وسماع تجاربهم، وأن نتبنّى رواية واقعية حقيقية بعيدة عن التجييش والاستقطاب والمظلوميات المتفرقة. أن نعمل مع مؤسسات الدولة في القطاعات الثقافيّة والخدمية، ونشارك مبادراتنا ومهاراتنا التي من شأنها أن تضيف للبلاد في هذه المرحلة وأخيراً، نحن كمجتمع سوريّ بحاجة أساسيّة إلى تفكيك خطاب الكراهية، وأن نتحاور فيما بيننا، وأن نبدأ بإرساء السلام بسلوكياتنا اليوميّة التي لطالما مارسناها وكانت جزءاً من ثقافتنا كمجتمع. أن نحاول فهم مخاوف الآخرين وأفكارهم وتحويل الخلافات إلى مصدر قوة وبناء، وأن يكون الهدف الأساسيّ الذي نعمل عليه هو مفهوم “سوريا الوطن”؛ وطن نحترمه ويحترمنا، وتكون البلاد الأولوية في حواراتنا وقراراتنا ويكون الانتماء الأول للأرض وليس للانتماءات الضيقة. على أملٍ أن يكون كلّ فردٍ قادراً على صنع التغيير والسلام المستدام، فالسلام ليس وهماً، بل مسار يبدأ بخطواتٍ صغيرة ومبادرات صادقة، تقود إلى مستقبلٍ كما نحلم به جميعاً




