المرأة

في اليوم العالمي للتضامن مع مقاومتها.. كوباني شرارة المقاومة في مكافحة الإرهاب

 في ملحمة كوباني البطولية، التي استمرت 134 يوماً، لم تكن البندقية وحدها تحارب وتدافع، بل الأمهات ووحدة الشعوب، حيث تجسدت فيها روح الفداء والإرادة الصلبة، لتصبح مدينة كوباني شرارة الحرية التي هزمت داعش وألهمت العالم.
 شنت مرتزقة داعش الإرهابي، في الخامس عشر من أيلول عام 2014، هجوماً واسعا على مدينة كوباني وريفها، بصنوف الأسلحة كافةً، ويعد هجوم داعش المدعوم لوجستياً وعسكرياً من دولة الاحتلال التركي، من أكبر الهجمات الشرسة التي تعرضت لها كوباني خلال سنوات الثورة، فهاجم داعش بقوة كبيرة ومن ثلاثة محاور، وكان الهدف احتلال المدينة وقراها.
 سطر مقاتلو ومقاتلات وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة بأسلحتهم الخفيفة والفردية، بطولات تعجز الكلمات عن وصفها، من قصص وملاحم بطولية دونت بأسطر من ذهب في التاريخ، المقاومة العظيمة التي انتهت بالنصر، لتكون نقطة البداية لنهاية داعش. حيث أبدت هذه الرقعة مقاومة حقيقية، أبهرت العالم، فأولئك الأبطال، الذين اتخذوا قرار الصمود والبقاء حتى آخر رمق من حياتهم، دافعوا عن أرضهم وهويتهم، ورفضوا الاستسلام والخنوع، متخذين “المقاومة حياة” أساساً لتحقيق النصر.
رمز المقاومة العالمية
تلك المقاومة كانت نهاية خلافة مرتزقة داعش، حيث تلقت ضربات كبيرة، وبدأت بالتراجع بعد تلقيها خسائر في العناصر والعتاد، تحت ضربات المقاومين الأبطال، ولم يتوقع أحد في العالم أنّ مدينة صغيرة مثل كوباني، تبدي هكذا مقاومة، وتصبح رمزاً للصمود في العالم.
إن الإرادة والمقاومة التي تعجز الكلمات عن وصفها، أبهرت العالم أجمع، وخاصة الأسلحة التي استخدمها مقاتلو وحدات حماية المرأة ووحدات حماية الشعب كانت أسلحة خفيفة ومعدات بسيطة، لكن نصر كوباني، أحدث منعطفاً كبيراً لمسار القضية الكردية، وغير التوازنات في المنطقة، وحافظ على السلم والأمن العالميين.
وبعد المقاومة العظيمة في كوباني، وتحقيق النصر على داعش، أدركت شعوب العالم التضحيات الجسيمة، وأنّ تلك المدينة الصغيرة حققت ما لم تحققه جيوش كبيرة ومدرّبة، فخرج المتظاهرون في مختلف دول العالم، بانتماءاتهم وأعراقهم وأديانهم ولغاتهم، رافعين أعلام وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، مرددين شعارات تندد بهجمات داعش على كوباني، داعين المجتمع الدولي وحكوماته إلى التحرك الفوري لنصرة كوباني، فأُعلن حينها الأول من تشرين الثاني يوماً عالمياً للتضامن مع مقاومة كوباني تخليداً لصمود المدينة وشعبها، وتكريماً لضحاياها ومقاتليها الذين حولوا الألم إلى أمل. تحولت مقاومة كوباني من معركة محلية إلى رمز عالمي لمواجهة الإرهاب والدفاع عن الإنسانية، صور المقاتلات والمقاتلين، وهم يتصدون لمرتزقة “داعش” بأسلحة بسيطة، مقابل الهجمات الوحشية بالأسلحة الثقيلة، أثارت تعاطف الرأي العام العالمي.
روح ثورية تخطت الجغرافية
إلى جانب ذلك؛ شكل النفير العام الذي أعلنه القائد عبد الله أوجلان، في سجن إمرالي، الذي دعا فيه المجتمع الكردستاني إلى الدفاع عن كوباني، بكل الوسائل الممكنة؛ الأمر الذي شكل منعطفاً حاسماً في المقاومة، التي عدها الكرد “مصيرية” فتوحد الشعب الكردي في أجزاء كردستان الأربعة، وكان النصر المؤزر.
وتلبية للنداء توجه العشرات من الشبان والشابات لحماية كوباني والدفاع عنها، والتحق بهم مقاتلون أمميون من مختلف العالم، للدفاع عن القيم الإنسانية وحرية الشعوب. وكذلك الشبان من باكور كردستان، الذين قاموا بتشكيل جدار بشري على طول الحدود بين كوباني وباكور كردستان، وبالنتيجة تم فك الحصار عن الجهة الشمالية لكوباني، بعدما تم قطع الإمدادات التركية لداعش عبر الحدود، وأُنشِئت ممرات إنسانية آمنة، لعبور الجرحى إلى باكور كردستان لمعالجتهم.
وبعد مقاومة استمرت مدة 134 يوماً، تمكنت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، ومقاتلو حركة حرية كردستان، والعشرات من المناضلين الأمميين، وبالتعاون مع قوات التحالف الدولي، وقوات البيشمركة، وغرفة عمليات بركان الفرات من تحرير مدينة كوباني، في السادس والعشرين من كانون الثاني من العام 2015، من مرتزقة داعش، ومن هنا بدأت نهاية مرتزقة داعش، ومنذ ذلك الحين أصبحت مقاومة كوباني، رمزاً من رموز المقاومة في أنحاء العالم كلها.
على رقعة كوباني الصغيرة، كسرت شوكة مرتزقة داعش وإرهابه، الذي دعمته تركيا بكل ما أمكن، وانتصرت إرادة الشعوب الحرة، وأثبتت تلك المقاومة أنّ الشعوب الحرة لن تتوانى في الدفاع عن أرضها ومكاسبها مهما كلف ذلك من تضحيات.
فصل من فصول البطولة

في خضم تلك المقاومة، التي دوت أصداؤها في أنحاء العالم، لم يكن الصمود مقتصراً على المقاتلين في الجبهات، بل شارك فيه الجميع، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، ومن بين آلاف القصص، التي نسجت بدماء وألم أبناء المدينة، تبرز قصة المواطنة “سميرة أحمد”، التي شاركت مع أبنائها في الدفاع عن مدينتهم، لتغدو عائلتها رمزاً للتضحية والصمود، وحملت روح نضالها إلى جبهات المقاومة مع أبنائها وزوجها: “مع بدء هجمات مرتزقة داعش على مدينة كوباني واقترابهم من أسوارها، قررت الإدارة الذاتية في كوباني آنذاك إخراج المدنيين من المدينة والقرى المجاورة حفاظاً على حياتهم من جرائم المرتزقة، إلا أنني اخترت، إلى جانب عائلتي وزميلتين من عملي، البقاء داخل المدينة والمشاركة في المقاومة إلى جانب المقاتلين”.
أرسلت سميرة طفلتيها الصغيرتين مع شقيقتهما الكبرى المتزوجة إلى باكور كردستان، وبقيت مع زوجها وابنها عكيد في قلب المعركة، ليلتحق بهم لاحقاً ابنها هارون، المقاتل في صفوف وحدات حماية الشعب، بعد أيام من اندلاع المعارك.
عن تلك اللحظات تروي سميرة: “عاهدت نفسي بألّا أغادر مدينة كوباني مهما اشتدت المعارك فيها، برغم أنني لا أستطيع حمل السلاح لكنني لم أخرج منها، وساندت المقاومة معنوياً، تأثرت كثيراً بروح مقاتلينا الذين كانوا يخلقون من أجسادهم دروعاً لحماية مدينتهم من المرتزقة، بتلك الإرادة التي كانوا يحموننا، عاهدت نفسي والشهداء بأنني سأبقى هنا، صامدة، أدعم أبنائي المقاتلين”.
تشير إلى انّه لم يكن أمامهم خيار سوى الصمود: “هذه الأرض أرضنا، وهؤلاء الإرهابيون أرادوا محو وجودنا، حملت السلاح إلى جانب أبنائي وزوجي، ليس لأنني أحب القتال، بل لأنني أحب الحياة الحرة”.
انضم أبناؤها الثلاثة إلى صفوف وحدات حماية الشعب ووحدات المرأة، لتستشهد ابنتها الكبرى “جين”، بعد عاميين من انضمامها في “زور مغار” الواقعة في الجهة الغربية لكوباني، أثناء هجوم جبهة النصرة، وفي خيمة العزاء لابنتها، انضم ابنها هارون لوحدات حماية الشعب ليستشهد عام 2016 في حملة تحرير مدينة منبج من رجس مرتزقة داعش، كما أنّ ابنها عكيد، والذي كان عضواً في مركز باقي خدو للثقافة والفن استشهد عام 2018 أثناء أداء تأدية واجبه في الدفاع الذاتي.
في ذروة مقاومة كوباني، لم تتراجع سميرة أحمد عن أداء واجبها، فقاومت إلى جانب زوجها، وأبنائها الشهيدين هارون وعكيد في الخطوط الأمامية للدفاع عن المدينة، حيث أصروا على البقاء في المدينة رغم القصف والحصار، شاركوا في معارك حاسمة حول الأحياء الشرقية من كوباني، حيث فقدت سميرة أحد أبنائها، في حملات تحرير المدن من رجس داعش، لكنها تقول بفخر:”استشهد ابني دفاعاً عن حرية شعبه، وأنا فخورة أني ربيته على حب الوطن والكرامة”.
وتضيف والدموع تنهمر من أعينها: “عندما بدأت المقاومة
، كنت أسمع أصوات الانفجارات من كل جانب، لكني لم أفكر للحظة بترك كوباني، قلت لأبنائي: هذه مدينتنا، وهنا سنبقى، إذا لم نستطع القتال بالسلاح، فسنقاتل بالعطاء”.
تروي سميرة تفاصيل مشاركتها اليومية في المقاومة: “كنت أعد الطعام للمقاتلين ليل ونهار، لم يكن لدينا الكثير، لكننا كنا نقسم اللقمة بيننا، كنت أغسل ملابسهم، وأضمد جراحهم، وأساعد الأطباء في علاج المصابين، لم أكن ممرضة، لكنني اعتنيت بهم”.
بينما كانت الجبهات تشتعل، كانت النساء مثل سميرة يحافظن على نبض الحياة في المدينة، فقد تحولت البيوت إلى مطابخ جماعية ومستشفيات ميدانية، وأصبحت النساء أمهات للمقاتلين.
تقول سميرة بفخر: “كنت أرى في كل مقاتل ابني، عندما يعود أحدهم جريحاً، أضع يدي على رأسه وأقول له: أنا والداتك، وكنت أسهر عليهم حتى الصباح، وأحرسهم وكأنهم قطع من قلبي، وهم أيضا كانوا يبادلونني الشعور ذاته، كانوا كأبنائي، كانت مشاعرنا مختلطة بين الفرح والحزن، لكنها كانت ممزوجة بروح المقاومة التي جلبت لنا النصر المحتوم”.
تاريخ من الصمود

تصف سميرة تلك اللحظات التي تحوّلت فيها كوباني إلى عنوان للحرية في عيون العالم: “كنا نسمع أنّ الشعوب في العديد من دول العالم تخرج في مظاهرات من أجلنا، شعرت وقتها أنّ دماء أبنائنا لم تذهب سدى، وأنّ صمود كوباني صار صموداً للإنسانية كلها”.
اليوم، بعد مرور أعوام على تلك الأيام العصيبة، ما زالت سميرة أحمد تتذكر كل لحظة من المقاومة، وتقول بنبرة امتنان وفخر: “قد لا أكون قاتلت بالسلاح، لكني قاومت بالأمل، وبمقلاة وقطعة قماش، وبكلمة طيبة ترفع معنويات المقاتلين، هذه كانت معركتي”.
وتابعت: “تعجز الكلمات عن وصف مقاومة كوباني، فقد شهدت آلاف القصص البطولية في كل زاوية من المدينة، من الأمومة التي تحوّلت إلى جبهة، إلى الشبان الذين ضحوا بحياتهم وكتبوا على جدران تلك المدنية بدمائهم الطاهرة بأنّهم مدينون لكوباني، والنساء اللواتي حملن مسؤولية الدفاع، كل قصة كانت فصلاً حياً في تاريخ مقاومتنا”.
تؤكد سميرة، أنّ هذه الملاحم لم تكن مجرد أحداث محلية، بل كانت دليلاً على وحدة إرادتهم وإيمانهم بأنّ النصر لن يكون فقط بالأسلحة، بل بالعزيمة والإصرار على الدفاع عن الحرية والكرامة”.
إرادة المرأة الحرة
وأشارت إلى إنّ هناك العديد من القصص، التي تركت أثراً كبيراً في مقاومتها لكوباني، ومن أبرزها تلك اللحظة التي كانت تنقل فيها جثامين المقاتلين بعد استشهاد أربعة رفاق، كانوا من مختلف مناطق كردستان، أحدهم من روج آفا، وآخر من باكور، والثالث من باشور، والرابع من روجهلات كردستان، عند رؤية تضحياتهم، صرخت سميرة بأعلى صوتها قائلة : “في كوباني توحدت أجزاء كردستان، كردستان موحدة اليوم، لذا النصر سيكون لنا”. منذ تلك اللحظة، تقول سميرة، أصبح إيمانها بالنصر قوياً، ومع الروح نفسها، تحقق الانتصار الذي جسد وحدة الإرادة والتضحيات عبر كل أجزاء كردستان.
من بين القصص الكثيرة التي تركت أثراً عميقاً في ذاكرة سميرة، قصة الشابة “قدر” من أصول كردية وأم تركية، تنحدر من مدينة إسطنبول، عاشت بعيدة عن جذورها الكردية، لا تعرف لغتها ولا تاريخ شعبها، لكنها تأثرت بمشاهد صمود كوباني والنساء المقاتلات اللواتي تحدّين الإرهاب والموت، دفعتها تلك الروح إلى التوجه نحو الحدود، عازمة على الانضمام إلى صفوف المقاومة، إلّا أنّ جنود الاحتلال التركي منعوها من عبور الحدود نحو كوباني، لكنها لم تستسلم، وتمسكت بإرادتها القوية، وعندما حاولت عبور الحدود، أطلقوا النار عليها، لتستشهد على عتبة مدينة كوباني التي حلمت أنها تدافع عنها”.
إنّ المقاومة البطولية، التي أُبديت في مدينة كوباني، كان لها صدى قوي في الأوساط العالمية، لذلك هبّت الشعوب في بلدان العالم وأوروبا، لتتضامن مع المقاومة، وعلى الرغم من مرور عشرة أعوام لا تزال المقاومة مستمرة بكل قوتها في مواجهة الإرهاب وتداعياته.
وقصة سميرة أحمد، وعائلتها ليست حالة فردية، بل هي صورة مصغرة عن روح كوباني، التي واجهت المستحيل وانتصرت على الخوف، وتذكيراً بأنّ المقاومة ليست فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في قلب امرأة رفضت الانكسار، ووقفت مع مدينتها حتى آخر لحظة.
.
كوباني/ سلافا أحمد –
.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى